الشّاعرة ظمياء ملكشاهي * من ولادتها في جحيم الجينوسايد حتى مشارف (القصيدة المضادّة) جلال زنگابادي

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

الشّاعرة ظمياء ملكشاهي * من ولادتها في جحيم الجينوسايد حتى مشارف (القصيدة المضادّة)  

 جلال زنگابادي

  كان لتراجيديا مظلوميّة الكرد الفيليين التي تضاعفت؛ بحجّة وذريعة تبعيّتهم الإيرانيّة، في مطلع  ثمانينات القرن الماضي؛ بحجز وثائقهم الثبوتيّة وأموالهم المنقولة وغير المنقولة، ثمَّ التسفير والتهجير القسري لمئات الألوف من شيوخهم ونسائهم وأطفالهم، بل بممارسة جينوسايدهم باعتقال أكثر من عشرة آلاف شاب وتعذيبهم واعدامهم بشتّى الطرق ومنها إجراء تجارب الأسلحة الكيمياويّة والبايولوجيّة عليهم وحتى دفنهم أحياء؛ كان لها أكبر الأثر في تفجير موهبة الصبيّة اليافعة ظمياء المحجوزة في أقبية الأمن العامّة، حيث كتبت أول قصيدة لها بعنوان (مفتاحنا)

وهنا أدوّن لمحات من إنطباعي عن مجموعتها الشعريّة (ذاكرة الظّلال) التي شرّفتني بقراءتها وتنقيح لغتها وإبداء الملحوظات عليها، والتي أتوخّى من ورائها جذب انتباه النقّاد المختصّين لدراسة شعرها:  

إثر تهافت المشاريع الكبرى (الإشتراكيّة، القوميّة والدينيّة) في عالمنا المعاصر؛ لم تعد للقصيدة الحقيقية المعاصرة رسالة إيديولوجية طوباويّة (سياسيّة، قوميّة، دينيّة..) تدجينيّة قطيعيّة…أجلْ؛ لمْ تعد القصيدة دعوة حميمة إلى الفراديس الزائفة والوهميّة، وإنما صرخة من جحيم الواقع تسخر من اليوتوبياهات والآمال الزائفة..

يتجلّى في القصائد الحرّة لشاعرتنا جوهر الشعر الحقيقي بجسارة لغويّة ذات بلاغة مبتكرة لاذعة ومقلقة، بحيث تؤسّس شعريّة مضادّة في العديد من قصائدها؛ إنطلاقاً من استثمار حرّيّة الإبداع؛ وهنا من البداهة أن تهدم الشاعرة الأشكال والقوالب التقليديّة المعهودة في الشعر المنظوم العمودي وشعر التفعيلة وما يسمّى خطأً بـ (قصيدة النثر)، حيث تتقاطع في قصائدها دائرتا (الشعرنة) و(السردنة) اللتان تتجاذبان وتتمازجان؛ فتسود دائرة (القصيدة الحرّة) أمّ (القصيدة المضادّة)؛ فيعلو صوتها منعتقاً من ركام الموروثات المتمأسسة، التي مابرح أكثر الشعراء يجترّونها، حيث تطلق العنان لجموح لغتها الحافلة بالإهتزازات والإزاحات الدلاليّة، ضد الرتابة وميكانيكية البلاغة البالية الجاهزة والإجترار اللفظي، في حين تستثمر أيّة مفردات بلا حدود تقليديّة جامدة؛ فتبتكر لغة جديدة غير قاموسيّة جامدة، غير زخرفيّة وغير مستقرّة، بل هذيانيّة (أحياناً) تجسّد صوراً مثيرة لفوضى الواقع الراهن واغتراب الإنسان وتمزّقه و شقائه..

جليٌ أنّ القلق الوجودي يطغى على كيان شاعرتنا التي ترزح تحت ضغوط هائلة من الآلام والعذابات والشقاء؛ فتتصاعدُ صرخاتها الإحتجاجيّة، كما تكشف خفايا الإنسان الباطنيّة و تشظّي الذات الإنسانيّة المغتربة.

ولئن تحضر ذات الشاعرة القلقة والمتشظّية في قصائدها؛ فثمّة عشوائيّة تشوب إنسيابيّة وأواصر بعض عباراتها وجملها وفقراتها؛ وهنا تكمن مصداقيّة قصائدها في كونها تنبع من تجارب الحياة الواقعية، وليس من خزين التثاقف رغم أنها تستخدم أحياناً كلمات و رموزاً قديمة… ومن هنا تطالعنا صور مكثّفة ومركّزة مجبولة من معطيات واقعنا المرير وعالمنا الآيل إلى الخراب والدمار، ومن مخيالها الجموح، أكثر ممّا تنهله من مرجعيّات المثاقفة، ومنها  صور سورياليّة تجسّد المفارقات المبكية/ المضحكة في واقعنا التراجيكوميدي..

تكاد الثيمة الإيروتيكيّة أن تطغى على أكثر قصائدها، وفيها تستوقفنا إشكاليّة الصراع بين الشك واليقين وتداخلهما وتقاطعهما..

وطالما تطالعنا الشاعرة ظمياء بعواطفها الجيّاشة، لكنّها سرعان ما تتمادى في الدعابة السوداء والسوداوية النهلستية حتى الوقاحة الفاحشة؛ فهي جريئة وجسورة في بوحها المتمرّد إلى حدّ اقتحام ذاتها بتهكّميّة سوداء مريرة، حيث تنسف الطمأنينة الكاثارسيسيّة، وبنزعة تغريبيّة تقطع انسيابيّة أكثريّة قصائدها، وهنا لربّما يستهجن البعض تطرّفها؛ فأتساءل : هل من المعقول أن نتوقّع قصائد مخمليّة بهيجة من شاعرة ذاقت المرارات من هول إبادة أفراد أسرتها وتعذيبها الرهيب على أيدي أوباش العهد العفقي؟!

وعليه يمكنني الجزم أن الشاعرة ظمياء ملكشاهي ذات موهبة عاليّة نادرة المثيل وتجارب حياتيّة مريرة جدّاً، لكنّها غير مطّلعة بصورة مستفيضة شافية على كنوز الشعر العالمي القديم والمعاصر؛ بسبب ظروفها القاهرة؛ وإلّا لكانت تتبوّأ أرقى مكانة بين شواعر العالم المعاصر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الشمع الأحمر

…و خَتموا بالشمعِ الأحمِرِ بابَ بيتنا

عصبوا عينيّ بخرقةٍ سوداءَ كريهةُ الرائحةِ

كمثل عيون أبي وأمي وأخوتي الثلاثةِ

كنا ستةٌ قبلَ أنْ يَشي القدرُ المتربصُ بعددنا

في مدينةِ الأحجارِ لمْ نرَ سوى غيوماً سوداء

وعويل النسوةِ والأطفال

جاءَ الساحرُ الكبيرِ

وقفَ وسطَ الساحةِ الوحيدةِ

وأمرَ بفتحِ عصاباتِ الجميعِ

و راحَ يتمتمُ شيئاً ما

فاستحالَ الأطفالُ

أحجاراً ترمقُ أهاليهم للمرةِ الأخيرةِ

واستحالت النساءُ نافورات حجريّة

يتدفّقُ الماءُ من أثدائهن

ويرصّ الرجال لترتفع بهم أسوارُ المدينة

فوقف أبي الحجري قبالة إحدى البوّابات

وأشارَ لنا أنْ نهربَ فهربنا

وبقينا خمسة في شوارع مجهولةٍ

حتى رأينا البحرَ

فقررنا العبور

فإذا بالبحر يبتلعُ أخي الكبيرَ

وطفا زبداً

وصلنا إلى جزيرة غريبة

تتدلى الرؤوسُ من أشجارها

جبالُها من رماحِ الفرسانِ

فتدلّى رأسُ أخي الأوسط من إحدى أشجارها

فبقينا ثلاثة

إتّجهنا إلى الكهوفِ

تظللنا غمامةٌ سوداء

و حالما جلسنا إنقضّت الخفافيشُ علينا

وخطفتْ آخر أخوتي

فبقينا أنا وأمي نصلّي

و سرعانِ ما ماتتْ أمّي كمداً

و ها أنا الباقية أدندنُ هذه الأغنية!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أخي الكبير

لكي أبوحَ بِكلِّ قصيدي

أُعَفّرُ روحيَ بِقمحِ وَجْهِكَ

فيموتُ الأسى حتّى لوْ أبْتَعَثَتكَ المَرايا

يتناهى تغريدُ حَسّونٍ

على غصنٍ قصيّ من النهارِ

يَنْثالُ على روحي فيضُ رؤى

فتمسّدُ أناملُ روحِكَ جدائلي

فَتَجْفلُ سكينةُ خاصرتي

تَنزُّ صديداً منْ سُخامٍ

وتذبلُ عندَ حضورِك أكمامُ الأزاهير

يَمْشي صَدانا في الحكاية

وَلا نكبر

يدُكَ تشبكُ يدي المذعورةَ في الدّيجورِ

حيثُ يطارُدنا وجهُ غولٍ يُباعدُ بينَ ساقيهِ

فنمرقُ منْ تَحْتِهِ مرعوبين

نُهرولُ صوبَ ظِلالِ بيوتٍ منسوفة

نَقْبعُ في كهفِ الصمتِ ِ

حتى يأفلَ القمرُ

ويَنْسَلُّ عطرُكَ

يَفْتَحُ أزرارَ الغيوبِ

وتجوسُ قروحُهُ في أنغامِ اليبابِ

فيلجمُ صراخي المدَمّى:

– (أتراني أراكَ ؟!)

وهناك أرخى الصباحُ لثامَ الِجراحِ

تنفسَّ فجرُكَ دخانَ الغيابِ

وتسلّلَ نجمُكَ ليودّعني في الخفاءِ

فراحَتْ جراحي تندى لِجْرحَكَ

و نحنُ ننْزِفُ أنساغَ حكايانا الدّامية:

دميتي التي مزّقوا رأسَها

فباتت بعينٍ واحدة

قطّتُكَ التي ٌ بتروا ذيلَها

فَاستحالَ مواؤهُ نِباحاً

و و و و و و و…….قطارٌ بلا محطّات

يَصْرخُ فينا

فَتَجْفلُ سككه الوديعةُ

لنمضي إلى قبورِنا باسمين

وهنالك ينأى ظِلّكَ عنْ ظلّي

وتفلتُ أصابعُ روحي الصغيرةُ منْ يَدكَ الكبيرةِ

و ها أنا أتشقلبُ ما بين الأرضِ والسّماء…

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بَقايا هَيْكَلي العَظمي…

بَقايا من هيكلي العَظْمي

تَرتدي فُسْتاناً للسَهْرةِ

تُزركِشُهُ الأزاهيرُ الصَيْفيةِ

تَسيرُ نحوَ خيمةِ العزاء

تُرَتّبُ الطقطَقات

كيْلا يَجْفَل هندامُها الغريب

تُرَددَ تراتيلَ الموعدِ الآتي بِلا تَرْتيب

إذْ هلَّتْ عصافيرُ الحكايةِ

على قصيدتي الآتيةِ

أبكرَ مِمّا ظننتُ

فأَطْعمتُها بَعْضَ رؤايَ

وَغَسلتُ أجْنَحةَ النهايةِ

بنورِ عَيْنيَ الباقيةِ

والنَزَر اليسيرٍ منْ مَطَرِ آخر نوّار

قَرّبْتُ لها سَلَةَ خبزي

هُناكَ على أطرافِ طاولةٍ تَحْتَفي بالغبار

بَيْنَما ظَلَّ هَيْكَلي العظميُّ

مُنْتَظِراً جَرَسَ الميعاد

أوْ كَلْباً

أو قطَّةً في الجوارِ

أو شحّاذاً ثَقَيلَ الظلِّ

يَمُرُّ بصدفةٍ عمْياء أو خرْساء

فَيَلْمَحُ ظلَّ هَيكلي العظميّ

عِبرَ شبّاكِ عمري

و يفرُّ هارباً منْ بكائي

(أوّاهِ لمْ تَعْدْ تُجيدُ الغناءَ

هذهِ الكَمَنْجةُ المُعَلَقَةُ

منْذُ ألفِ عامٍ على الجدارِ)

هكذا زمجَرَ هَيْكَلي العظميّ بِكَلِّ ازْدِراء

وصبَّ جامَ غَضَبِهَ على تاريخي التعيس

وأضاف:

(كلّ هذه الضجّة لا تساوي شَسعَ نَعْلي ..

كَمَنْجةٌ تافهة!)

فردَّت الكمنجةُ:

  • (لمْ يَسَعْ قفصي الصَدريّ

سوى أغنيةٍ منسيّة)

فترنّحَ هيكلي العظميّ بينَ الحَقيقةِ والسَرابِ

فَتَحَ أَكرةَ البابِ الفْضّيّةَ

وأخرجَ نصفَ جمجمتهِ

وتوارى في الشارعِ الأفعواني

يَشْتمُ الريحَ والمطر

يستردُّ ديونَهُ

يلوّحُ بيدِهِ البيضاء

فإذا بهاَ أوتارٌ مُقَطَعةٌ

يُزْلِفُ لخيالهِ الظلَّ

فَتَهرِبُ الأضواءُ

يَنْزعُ ثوبَهُ المزركشَ

ويَتَهاوى على بؤسهِ مُردِّداً:

( وَطني حَبيبي

وطني الأكبر)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فارِسُ الحُفْرَة

…حَمَلَ رأْسَهُ بَعْدَ شنقه

وهو يُتَمْتِمُ ويَتَجَشّأُ دَمَهُ:

(يا لهؤلاء السَفْلةَ كانَ الْحَبلُ قاسياً)

ثمَّ وَقَفَ على دكَّةِ المْغْتَسَلِ

منتظراً طَقُوسَ الغُسْلِ

بعدَ ميّتٍ آخر كفّنوه بوجل

قالَ جسمُهُ مُطلقاً ريحاً كريهة:

(يقرؤونَ الآياتِ عليهِ؛ فهلْ منْ قارئٍ عليّ؟)

فردّ الميّتُ منتزعاً منْ فمهِ القطنَ:

(كم أنتَ مِنَ الخاسرين!)

إرتجَّ الُمغْتسلُ لوقعِ أقدامٍ كثيرةٍ سوّرتْ جسمَه

وهي تُرتّلُ سورةَ الصّمتِ

تُدمدمُ بدمعٍ ممزوجٍ بالعويلِ

ففرّ الرأسُ يُدحرِجُ نفسهِ إلى أقربِ حفرةٍ

هَلعأً منْ هَوْلِ ما رأى

يسوّره حشدٌ يحملون أكفانَهم المُضَمّخةَ بالكافورِ

يحملقون في الرأسِ:

(هلْ تَذكرنا؟)

فردَّ الرأس منتفخَ الأوداجِ، يكسوه السّخامُ

بكلّ انكساِر:

(لا…لا…لا..)

وانحنى أحدُهم على الحفرةِ وصرخ:

(نحنُ ضحاياك)

فتَشتّتْ هدأةُ الحفرةِ الآسنةِ

وظلَ الرأسُ يعتصرُ خواءَهُ

باحثاً عنْ جسمه

يَسْتَنْقذه من الشَرَكِ

تراودُهُ رماحٌ ضوئيّةٌ مسجاةٌ بترتيبٍ

رؤوسها متقِدَةٌ بنارٍ عظيمةٍ

تُنيرُ هذا الليلَ المرصّعَ بالوجوهِ

تواصلُ القدومَ العظيمَ

حتى يكتسي الليلُ البهيمُ بلونِ الأكفانِ المدمّاة

وإذا بجثّتِهِ  تصلُ إلى الحفرةِ المنتَظِرة

لتحتضِنَ رأسَها المفزوعَ منْ خيولٍ تتحلّقُ الحفرةَ

وتدكُّ سَنابُكها أصقاعَ الرّعبِ

وفرسانُها يحدّقون

في السّماءِ المُدْلَهمّةِ بالحكايا الرّهيبةِ

حيثُ تَعولُ الريحُ:

“بأيَ ذَنْبٍ قُتِلَتْ؟!”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَقِفُ على ناصيةِ المهزلةِ

ألمّعُ حذاءَ قاتلي

أرمي وردةً على مشنقةِ حبيبي

أُتبّلُ لحمَ جلّادي الأخيرِ بالزعترِ البرّي

أتنقّلُ في مهزلتي بأقصى زهوٍ

بعمرٍ ينأى عنْ طفولتي ِ

أتشبّثُ بأعدائي في مَجرّتي البنفسجيّةِ

لا يثنيني الفُصامُ عن التصديقِ

لديّ المزيد من الخلايا المقاتلةِ

تترصّدُ الدخلاءَ في أديمِ جسدي

تغْلقُ الحُفَرَ السوداءَ في ذاكرتي

فما أبرعَ تلكَ الرؤى

إذْ تنثّ على بقايا أنوثتي

عَبَقاً شَفيفاً ليبقيها مُزهرةً

لَأثورَ على صخبِ البحرِ

وأنزلقَ في تيهٍ لامتناهٍ

هابطةً فوقَ سطوري

أنتقي منْ مَخاوفي الخبيئةِ أشدّها رُعباً

علّني أحوّلها رماحٍاً فضّيةً

أقاتلُ بها أغصاني المُتَشابكةَ بكلّ عنادي

حتّى أصلَ قصوريَ المتاخمةَ لشمسِ أحلامي

أنسجُ من جنائن اللافندرِ شلّالاتِ ضوءٍ

أصبّها في كينونةِ أشياءٍ لمْ تُسَمَّ بعدُ

ثمّ أغادرُني دوماً إليَّ

و لا أجدُ سوايَ حُضْناً يؤوي وَجَعي

ولذا أخفّفُ عنّي

بأنْ أُساندُني في تدوينِ كلّ هَزائمي

ترانيمَ لحدودِ فَطرتي الكهِلةِ

حيث أغيبُ في شدوِ مزمارٍ مجنونٍ

حتى تؤجّجَ المروحةُ العتيقةُ

في سقفِ عزلتي

هديرَ النواعيرِ البعيدةِ

في سواقي ضجرِ مستقبلي!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نعيق الجرس

ثمّة يُفزّزني نعيقٌ

و يركلُ مؤخّرةَ الذكرى بالبسطال

يرنُّ كهاتفٍ قديمٍ دونما توقّف

يأخذني إلى أمّي…

لإنتظارِها المريرِ وحزنِها الكبير

فأقطعُ الكهرباءَ عنه

لكنّه يظلُّ يرنُّ في أحلامي!

أحتالُ عليه بقصيدةٍ

فيتلو عليّ معلّقةً عن آخر قدومٍ للعاصفة

أهربُ من الحلمِ

فيثورُ حفيفُهُ في أجندةِ الذكرياتِ

فأنتقي له زاويةً من النسيانِ

فيعتلي عرشَ الماضي

ناشراً نشازَه في أرجاء مملكتي المهدّمة

فأرفعُ كلَّ الأبوابِ

لأبقيه بلا حيطانٍ

وإذا به يتدلّى من الصّدى

فأكتشفُ أنه رأسي!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في رَأسي تَنضجُ الذاكرة

صَوتهُ يَسيلُ، يغادُر في النهرِ:

– إتبعيني

ثمةَ منْ يفتلُ شاربيه الآن مُنتظراً جَسدي

ليُمرّغَ على أمواههِ بقايا النساءِ الآسنةِ

وليمنحهُ بريقَ الخلودِ

مُسترخياً على كرسيهِ الجلدي

فينقضُّ على صورةِ امرأةٍ أخرى

أَعدموا ثدييها وأخوتَها

يتصاعدُ كرشهُ

فينفثُ حلقةً من السيكارِ العفنِ

مستسلماً لصورةِ القائدِ الرمز

سيعاقبُ المروحةَ حتماً

فهي تحرّكُ الصورةَ الأثيرةِ للقذارةِ الملتصقة ِبها

يداعبهُ النعاسُ فيَمسِكُ قبضةَ مسدّسهِ

يتبوّلُ الحارسُ في سروالهِ الخاكي

قابضاً على إحليله بصمت

سيمرُ يومٌ آخر في منتجعِ العصاةِ

تفزُ الحمائمُ المقيمةُ

على حوافي شبابيك المنتجعِ

الأرضُ تَجتذبُ الكثيرَ من الخنافسِ

والسوائلِ المنويةِ

وعصاراتِ الأفكارِ

إلى هذا الليلِ المستوحدِ الآبقِ

يكتظُ المنفى

بهمهماتِ العراةِ الجاهزينَ للسَّوقِ

مصنفينَ حسبَ أشكالهم الجينيةِ

في قوائمَ سوداءَ معلقةٍ

في رأسِ بغلٍ يستلقي حارساً بوابةَ المنتجعِ

تصيحُ الأريكةُ متقززةً:

(كمْ يُطلقُ منْ ريحٍ في جسدي؟

هل يأكلُ الخروفَ أم الخروفُ يأكلهُ ؟!)

يصيخُ السمعَ فيعاقبها العقيدُ زاعقاً:

(إلى المحرقة.ِ..)

(القضيةُ أكبر) يقولُ الهرُّ القريبُ من المجنونِ

وهو يهربُ

بينما تمُرُّ من أمامهِ أصنافُ المغتصبينَ منَ الوطنِ

لتنتشي أزقةُ الفقراءِ بالخطيئةِ

سائلينَ الربَ عنْ جنانهِ

ثمّ يُجيبُ المجنون:

(ستأتي البومةُ وينتهي الصيفُ)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يلوكني فمُك

يلوكني فمُكَ حكايةً قديمةً

فينبتُ تاريخي

في وجهِكَ مجترّاً

آخرَ فصولي المهرولةِ في  سهوبكَ

يغرسُ بشارةَ الحبِّ الأولى

لكنَّما وجهُكَ المكفهرُّ يودّعُني

كجنازةٍ تنتقي مِنْ أجندتِنا صفحةَ الهجرانِ

وتمهرُ جبينَ حبّي الوضّاءَ بعتمةِ النكرانِ

لكَمْ جئتكَ بحناني

ليتدفّقَ في يباسِ روحكَ شلّال نقاء!

متوّجاً بشوقي الذي يتحلّقكَ بهالاتِ النور..

آه كنتَ كذبتي الكبرى

تتمرّغُ في مدادِ حروفي التي ترسمُ تاريخَ وجهكَ

فابتعتُ الضلالَةَ

لتقودهُ إلى اليُتمِ النازفِ اخضرارَهُ الفذ

في ترانيمِ الخلودِ ِ

إعتدتَ أنْ تردَّ إضماماتي البهيجةَ

بوابلٍ غبارِ خريفٍ قاتمٍ

تمسحُ عن الحقيقة ِ تلاوينَ المسرّةِ التي أُزيّنُ قبحَكَ بها

لم أزل أُشيحُ بوجهي عن مراياكَ

حالمةً بضوءٍ يكسرُ شحوبَ رجولتِكَ الممطوطةِ

لكنّك تظلُّ تمخرُ عُبابَ الخواءِ مجترّاً وجودَكَ الكالحِ

يا ما فرشتُ الياسمينَ درباً لك

بينما انحرفتَ عنه منتشياً بغرورِكَ الأثيمِ

وها أنتَ تبحثُ عنّي

فتشمتُ بكَ دموعي التي

نحرتَها أضحيةً للنسيانِ

تبتزُّ فرحي المتأجّجَ

هازئاً بكلِّ نواقيسي وأعيادي

فهيّا أقمْ مأتمَكَ المؤبّدَ

فالشوقُ الذي أبهرهُ الرفيفُ قدْ أعلنَ اليباب

وباتَ فنارُكَ النّائي بؤرةً للخفافيشِ

فهلمَّ علّقْ على دروبِنا خواتيمَ لمملكتنا المنهارة

لتذوي على أصابعِكَ كخاتمٍ عتيق …

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قهوةٌ مُرّة

هاهنا أحملُ كفني

أقفُ قبالةَ الثأرِ

أقتصُّ منهُ ما يقتصُّ مني

أعاتبهُ بأقصى صبري

منذُ شتاءٍ لا ينقشعُ

وغيومٍ محتقنةٍ

تظلّلُ سمائي الباهتةِ بزيفِ الصّحوِ

فأسألُهُ

عنْ أغنيةٍ سرقتْ أوتاري

عنْ قلمٍ ظلَّ يجذفُ قاربَ الرّيحِ بلا هوادةٍ

عنْ سِحرٍ ينثرُهُ شعري

على سطورٍ تتماوجُ في أرخبيلِ أحلامي

ويطاردُ نكهةَ البحرِ

وعويل الجنّياتِ وأقواسِ قزح

أصفعهُ حتّى تسخن رعونتهُ

لينهي قصاصَه الأثيم

لاهثاً في شراييني وأوردتي

منتشياً بسقوطي

حينما ابتعتُ ظلّاً لرجلٍ

وقايضتهُ بجسدي

عن لحظةِ بهجةٍ هاربة

كنتُ أسيرُ خلفهُ

متقنةً مشيةَ امرأةٍ أثيرةٍ خلفَ طاووسها

وكانَ ظلّانا يتزاوجانِ

لتتمّ نبوءة ُ الإقترانِ مراسيمَها

فإذا بظلّينا يفترقانِ

فأطارِدُ ظلّاً آخرَ

لأقتادَهُ إلى خلوتي

وأعدَّ فنجانين من القهوةِ المرّةِ

وأتبادلُ مع الشبحِ المرتمي على أريكتي

مزيداً من الجدلِ البيزنطيّ حول مصاريفِ البيتِ

وسفرة لي إلى جُزُرِ الكناري…

ثمّ ننام ُمعاً في نهايةِ سهرتنا الصّاخبة

مثلما تنامُ أحجارُ أسوارِ قلعةٍ قديمة

وأوقظهُ صباحاً

ليرتشفَ قهوتَهُ المُرّة التي تثلّجَتْ!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هل تكون وطني؟!

أنفخُ فيهِ من روحي

فيضجُّ بالحياة

لكنْ كمْ أهدرتُ من الحروفِ

لأصل إلى الينابيعِ العذراءِ

في نهايةِ الحكاية؟!

وكمْ تمنّعتُ الولوجَ في قيامةٍ آتية

حتى أجفلني صهيلُ أغنيةٍ عتيقةٍ

تتهافتُ على مدارج البوحِ

وتنتقي منْ شُرفةِ القمرِ فانوسَها الفضّي

لتعلّقهُ في أجنداتِ الهروبِ من العاصفةِ

فأيّ جدوى منْ وجودٍ

لا تكتبُهُ غدرانُ أشواقِك؟

ولا تحدّه الأيائلُ الهاربةُ صوبك؟

ثمّ ما أخطرَ أنْ نبقى محتجزين

في سطرٍ لا يرغبُ في الكلامِ

و ما جدوى ثورةٍ بلا ثوّار

تقتاتُ منْ أتونِها جذوةُ الأرَقِ

لتعلو بيارقُ اللقاء؟

آهِ ما أضْيَعني دونك

إنْ لمْ أكنْ بركانَ انعتاقِ يصبُّ حِمَمُهُ

على قلبِ العاصفةِ

حتّى يندى جبينُكَ بلهيبنا

وتهزجَ تراتيلُ إحتدامِ ناقوسِ كنيسةٍ نائمةٍ؟!

إذنْ طوبى للحظةٍ رسمتُكَ في دفاتري إلهً للشعرِ

وطوبى لأخرى قدّتْ قميصي

نحو رؤاك تجرّدني منْ خطيئةِ الهروبِ

وأنا أقترفُ الغيابَ المتقطّعِ مرغمةً

لنستفيق ذات سباتٍ

نتقافز في جنائننا المعلّقةِ

عسى أنْ نغترفَ يقينَ الحبَّ الأوّل

ونجلو مرايا الوهمِ بماءِ الوجودِ

وها أنا أخفيكَ عن وجعي

وأهرّبكَ إلى دفترٍ صغيرٍ

رسمتُ فيهِ سريراً

لألتحفكَ بلا غلافٍ

فتتمُّ النبوءةُ آخرَ طقوسِها الآتية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في أمسٍ غدنا القريب

…و سألني:

– ألمْ تتيقَّني بعدُ منْ امتلاكِكِ لي؟!

أجبته:

-لا

فأنا محضُ حلمٍ إقترفَ خطيئةَ الولادةِ

بين كذبةٍ ويقينٍ

وتسلّلَ موارباً نفسَه بين الصَّمتِ والصّراخِ

و راحَ يفشينا كإعلانِ ضوئيٍّ

ليتمَّ طقوسَ تواجدهِ الفذَّ

و يتسَرمدَ رُغماً عنّا

فارّاً من الكنايات والخرائط

لامرئيّاً في كلِّ الأطالسِ

وللجنِّ الجاثمين على حوافِي أقدارِنا!

فأردفَ:

  • أوَلسْتِ شجرة؟!
  • بلى..وأورقتُ غصوناً كثيرةً

تشابكتْ عند سفحِ توقٍ

تتوغّلُ جذوري

في جلمودٍ على شفا جرفٍ هارٍ

فكيفَ تفيّأتَ ظلِّي؟!

كيف تسكنني أرقا ممضّاً،

تتلبّسُني زغاريدَ في عرسي الغجريِّ؟!

فقاطعني:

  • لنضعَ النقاط َعلى الحروفِ

أو الحروفَ على النقاطِ

أكرهُ التوغّلَ في احتراباتٍ أخرى

  • حسناً سأبقى غباراً

يحطُّ على أكتافِ أقصوصةٍ

من اجتراحِنا المبهرِ

تكتبُنا قبلَ أنْ نكتبَها بعنايةٍ إلهيةٍ

فقدْ تبيَّنَ أنكَ جاري

ولا أدري

لكنْ كيفَ صرتَ حبيبي ؟!

ورحتُ أشهقكَ مطراً

في فجرٍ شتائيٍّ كئيبٍ

لعلّني أكونُ حقلَكَ

فتكونُ سنابلي

وأكون خيالَك

فتكونُ جسدَهُ

وخطاكَ تسبقُ خُطايَ

تهرولُ بي إلى برزخِنا المنتظِر

فَهلمَّ ‌‌‌أنشرْ شراعَ الشّوقِ

فلنا بحرُ العشقِ

ونوارسُهُ

وبنفسجُ ساحلِهِ الحاني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حكاية السمكة الذهبية الطائرة

من مواسمي التي أجفلَها النعيقُ

صرتَ هطولي الأخير

زخّاتٍ من الماسِ تناثرتْ فوق كوكبي غير السيّار

وقد افترّ ثغرُ الرّضا

فذات حلم قفزتُ من حفرتي إلى حفرتكَ

في مرجٍ أخضر

وراودتكَ عن فزعٍ أخير يتشّظى في حرماني

فاكتظّ المشهدُ الخرفُ بقرفٍ وبيلِ

إذْ تقمّصتُ سمكةً ذهبيّةً

وطرتُ بأجنحتي الخرافيّة منْ دورقي الآمن

إلى دورقكَ الهائجِ

لكنّما في هنيهةٍ إجتاحنا هاجسُ الرجوعِ

وقبل أنْ تتمطّى حكايتُنا العبرةُ بنفيرِ الفنتازيا

أيقظني إجتراري

وجدتني من المجترّاتِ الخطيرة

أذهلني هذا التصنيفُ

إذْ مارستُ الإجترارَ مذ كنتُ خروفةً صغيرةً

يطاردُها الذئبُ في قوسِ قُزَح

عاريةً عن الفهم

تتربّصُ بالمطرِ

لتقتبسَ فرحةَ البنفسجِ

متدرّجاً في هالات الضوءِ

يمطرُها برهامِ الفرحِ.

أجتر الذكريات، الدموع، المواسم،

البدايات، النهايات

والحروف التي تحلّقُ

في مستنقعِ التفاصيلِ التافهة

فيا لغبائي….!

كيف ارتميتُ في كفّكَ عصفورةً يبللُها المطرُ؟

تزقزقُ على السطر الأخير

لتتأبجدَ في فهارسِكَ القديمةِ

مكتظّةً بألفِ مفازةٍ تحملُ أكاليلَ النسرينِ

تجوسُ في جهاتِكَ التي

تحدّني من كلّ مساحاتي

وتسمّرني في براثن حروفِكَ

تخلبُ لبَّ عقلي بغوايةٍ شائكةٍ!

نعم أحبّك…

ولستُ أهابُ المثولَ أمامَ بابِك العالي

لكنّما أعتصمُ منكَ بك!

أسجي خرافتي تحت شمس تموز الحارقة

أتحلّقكَ كما تفعلُ النسورُ

لأباغتَ أجنحتي بعد نأي مديدٍ عن الحبِّ

وأطيل المكوثَ في أجزاءِ ثانيتنا المترهّلةِ

بعيداً عن دساتير الحكمةِ المعقوفةِ

فأنتَ رغيفُ أقصى كفافي..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مادمتَ لي

ماانفكّت الأصداءُ عابرة المدى

تداهمُني

تستجلي ضعفي

لتبترَ آخرَ أقدامي التي

تنمو على ظلال السطور

لكنني أنوءُ بحبك،

أخفيه عن الظلال الآيلة للبهتان

أمنحُ لنافورتي امتدادها الفضّي

فيضجّ هذا الديجورُ

صاخباً بمهرجان الألوانِ

فما أبهاك في روحي

حيث تفنّدُ كذبةَ النهاية!

أبتدئك بكلّ الأنساغِ التي

تتصاعدُ وتنفلقُ إشراقا

أجوبُ بك في أصقاعَ الخلودِ

حاملةً فانوسَ الوقتِ الذي خذلنا

وكوابيسَ التهميشِ

مدجنةً بانبهارٍ فتى كاظمٍ لغيظِ القسوةِ التي

تغطُّ في سُباتها القسريّ

يضيئني حبّك الملغومُ بألف فتنةٍ

وألف حرفٍ شجيٍّ

يُبهرني بطيشٍ يسبقنا إلى لقاءٍ في الغيب

فهل إبتكرتني أم إبتكرتك؟!

و ها نحنُ نعبرُ حواجزَ العَسَسِ

نزلزلُ أمصارَ الحكايةِ

لنصل إلى ذروتنا المرتقبةِ

على شفا حفرةٍ من البهجة،

تداهمنا أرقامُ العمرِ البشريّ

فنجتازُ غوايتَنا بعدْوٍ سريعٍ

ونطوي تخاذلَنا

لنمرّرَ أقصوصةَ الإلتحامِ الأبهى

في وقتنا المستقطعِ من خاصرةِ الحزنِ

إذْ تتأجّجُ ثورتُنا الشائخةُ

في أتونِ صبوةٍ خُرافيّةٍ!

فيا أيّها المتقدُ سحراً في روحي

خذني إلى لازمكانِك الذي ابتكرتَهُ

إلى أحضانِكَ الإفتراضيّةِ

لنؤدلجَ اتجاهاتِ الريحِ

ونفنى

لعلّنا نعود أجمل

حيث تتفانى عقاربُ الوقتِ في المكوث

مادمتَ لي

أيّها الحلمُ الذي شَطحَ ذاتَ مستقبل!

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رفقاً بقلبي

… ليس كتماناً

ما يبوحُ في صدري لجوجاً ساخطاً

مِنْ تردّدي معطّراً بالحبِّ يغشى بصيرتي

فأستفيقُ أدمدمُ مع الرّيحِ

في زمنِكَ الشّسوعِ الخارِقِ…

ثمّة تحرّكُني خيوطُكَ محشوةً بالبلاهةِ

أتراقصُ بشبقٍ في دائرةِ ضوئِكَ الخافتِ

آيّها المكتظُّ بالرّؤى

فهلْ تراني؟!

تمرُّ كسحابةٍ حُبلى

تمنحُ جدْبي نشوراً أخضرَ

أيّها المكتنزُ بفتنةِ الحضورِ المتوهّج

تُرافِقُ صَحوي و رُقادي

نحيلاً تمورُ في صَخَبِ المواتِ

فتخضرُّ الدروبُ تراتيلَ رخاء

أيّها السّامقُ فكيف أنكثُ عهدي المكين؟!

ها أنّكَ تمدُّ أروقةَ الصّحوِ

في مقالعِ أحجاري

فتبني قلعتَكَ العتيدةَ على أطلالِ مدينتي

و تنقذُ حروفي من أفواهِ الذبابِ

لكنّما يهصرُني الخوفُ

كلّما احلولكتْ نهاراتي برزايا الذكرياتِ

تحطُّ فجيعتي على الأطلالِ

وأنتَ تثوي في آمادِ روحي

نسغَ دفءٍ تُدندِنُ بمواسمِ الحقيقة

فاستجهلُ بزوغكَ بكلِّ حفاوةٍ ووجلٍ

وأمنحُ الظفرَ لبؤسي.

فيا منْ تسبغُ عليَّ آلاءَ البصرِ والبصيرةِ

وتُجلي وَهَني

وتشطحُ عابراً أكواني إلى خميلةٍ مُشتهاةٍ

في عوالمِكَ الفضّيّة

ها أنا ذي أُدْنيكَ منّي وأُقْصيكَ

وأطيلُ مكوثي مابين الترحالِ والإيابِ

وأمدُّ نياطَ قلبي أوتاراً لعزفِ لحنِكَ الشّجيِّ

كما أشحذُ أسنّةَ رماحِ انتظاري

مستوفزةً

وأضفرُ جدائلَ أرقي

لكنّ رؤاكَ تهزمُ شياطيني!

فأظلُّ مابينَ الأملِ واليأسِ المقيمِ

أجترُّ خاطراتي منْ تلوّنِ أقداري

وأبقيها بين التنائي والتداني أملاً وثّاباً

حيثُ تحيقُ بي هواجسي

بوابلٍ من الخوفِ

ويُذكّرني رخاءُ ريحِكَ بأعاصيرِ خُذلاني.. .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ماقبل صراخِ الصمت

تتدلّى رأسي الجميلة جدّاً

من تابوتِ الوقتِ

وجلّادي ينتظرُها بشغف

تفرُّ منها نوارسي

وتندلقُ البحارُ البنفسجيّة

على أشرعةِ السفائن المغمورةِ

في ثرى وطن ليس لي

تفيضُ روحي في سماْءِ شرودي

أسيرُ في اللاطريق

أسلّمُ مفاتيحي للريحِ

وأنكّس راياتي الزاهيةَ لحبّي الكبيرِ

لا تؤويني سطوري

فيضجُّ صوتُكَ الموشومُ باليقين في أوجِ ضلالتي

يشيّعني إلى مثواي في حضنِكَ

فحنانيكِ يا أقداري البلْهاء،

طالَما تقتنينَ لي من الأهوالِ

وتجرّدين أقماري من ضيائها الفضّي

عارية بلا كفنٍ أحبسُ دموعي في محبرتي

فكمْ ضيّعتِ مَنْ وجدته؟!

وكمْ تجدينَ منْ يضيّعني؟!

رفقاً بترانيمي التي

يضمّخُها عشقي بكافورِ السرابِ

فتنتقي قُدّاسَها منْ ضياعي

ثمّة يزمجرُ الصمتُ

فيتناهى هديلي إلى آفاق روحه

لك العتبى حتى تتركيني

أنمو على ضفافِ حلمٍ زارني ذات حلم

زهرة للجلنار أضوعُ

فينتشي نبضُ قلبِه

ويضجُّ بعنفوانٍ تغتذي بهِ حروفي

فجالدي يا رفرفةَ أجنحتي الباقية

وجالدي يا أسرابَ الحمائم للسموِّ

واهربي إليه بكلّ قواكِ

قبل أنْ ينتزعَ الوقتُ اللئيمُ عقاربَه

منْ مواسم الفرح الشحيحِ

وتجاهلي الفوارز بين كلّ غيمةٍ ومطرة

فلا عروة أوثق منْ حبٍّ يكتبُهُ القدر!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حطامُ قصيدتي

… ثرثري أيّتها الجامحةُ

في أتونِكِ المتوهّج اتّقاداً

يا سليلةَ مملكةِ الهذيانِ البكرِ

وعصا موسى

تهشّين السّطورَ

فتنبلجُ عيونٌ رقراقةٌ

على كلّ سطرٍ كفجرٍ أندلسيٍّ.

يا قصيدتي التي تكتبني

إنسَيْ وجعي المؤبَّدَ

رمّمي قواميسَ الجدلِ العقيمِ

بيقينِ أسطورتِكِ الخالدة

أشرقي في دياميسهم شمساً تليدة

وابتهلْ يا غيثَ الصمتِ الأبهى

دندني يا مزاميرَ الريحِ العاتية

تلبّسي شياطينَ الفكرةِ الموغلةِ

في تلافيفِ أغنيةٍ عراقيّةٍ قديمةٍ

أمطرني …

أمطرني بالصّحو والبكاءِ الغزيرِ

يا أروعَ خذلانٍ يجوبُ همساتِ التاريخ الذاوي

إعزفي يا ربابتي

أنشودةَ الطوفانِ القادمِ من خوفي

ليسَ ثمّة سواكِ يُعيدُ صَلبي

وأنا أنتقي صلبانَكِ!

أيّتها المؤجّلةُ في رحمِ مدادي

أسبغي نعماكِ على رهامٍ

يغسلُ وجهي بصحوٍ مقدّسٍ

أرقصي حولَ نيرانِكِ العظيمةِ

يا غجريّتي الأبهى

قبلَ أنْ يغتصبَ المتشاعرونَ عفافَكِ

واشهدي لجنوني بالمثولِ

تحرّري كالنوارس

وتواثبي في سهوبي أيائلَ تنجو من الصّيّادين

إعزفيني هادرةً كالموجِ

سأشتقكِ من المُحالِ يا غزالتي الشاردةَ

بدّدي أضاليلَ البُغاةِ بحقيقتِكِ المُبهرةِ

يا فضيلتي الوحيدةَ المُفتراةَ منْ تاريخِ اغتصابي

لا تقبّريني

كوني نَعشي وشاهدةَ قبري

جَلجلي كلَّ أهازيجِكِ في مواتي

قبلَ أنْ يصرعَكِ طوفانُ الوقت

ويقذفَكِ زَبَداً على شواطيء النسيان

وأنتِ يا رايتي التي

فقدتْ وطنَها إعتلي ساريتي

إمنحيني أجنحةً

لكي أرفرفَ في أخيلةِ ملحمتي

وينبثقَ نشوري

أنثري جُمانَكِ الفريدَ في تلافيفِ فكرتي

لا تبخلي يا قوقعتي الصلدةَ في خواءِ غربتي

أدحري أوشامهم الغريبةَ في جسدِكِ البضِّ

وانقشيني تميمةً للحبِّ في نهرِكِ الفضفاضِ

حيث ستمكثينَ

في أظلافِ الدفاترِ العتيقةِ نقشاً خالداً

حتّى لو تقبّرني سنواتُكِ العجافُ

كوني أو لا تكوني

فأنا حطامُكِ يا منْ تكتبينَ نعيي

يا حطامي!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في فردوسِ النزوح

أشهدُ شيخاً يتصابى

وفتاةً مسلولةً يهصرُها الجوعُ

تزعجُها الحشراتُ

تَترنّحُ في مشيتها

طالما يبصقُنا الوقتُ في الخيمةِ النازحةِ

حيثُ أراقبُ الأشياءَ بقرفٍ كبير

لا عملَ لي سوى ابتكار الطنينِ

والدوران حولَ نفسي

يا ليَ من ذبابةٍ تحطُّ على مزبلةِ التاريخِ!

تحدّقُ كثيراً في الهاويةِ المتراميةِ

حتّى خطّ الأفقِ المرتهنِ بضوء النهارِ الشّحيحِ

فمن أنا؟!

تلاحقني أسرابُ النملِ

وتشي بي حيّاتُ الخنادقِ تحتَ أوتادِ الخيامِ…

أوّاه كيفَ مرّغوا تاريخي السومريَّ

في نخاعِ الجيفِ المهروسةِ

مع مطّاط الهلال الأحمر؟!

لماذا باتَ عمري طابوراً طويلاً للإنتظارِ؟!

لماذا يراوغُني الموتُ ولا يأتي؟!

هلْ تزيحُني الكلماتُ أمْ أزيحُها

لتبدو سرديّةُ النصِّ

أعمقَ من الهذيانِ المتمّمِ لنعمةِ البوحِ الأقصى؟!

تتراقصُ شموسُنا بعيدةً عنّا

وأيّامنا أبعد

حتّى يمحونا التاريخُ

وتشيّدُ النّمال منْ عظامِنا مقاصلَ للهواءِ العابرِ

منْ فتحاتِ الذاكرةِ الذاويةِ

وأنا مابرحتُ أخيطُ الجراحَ باللونِ الأبيض

لتنتشي غاباتُ أثرياءِ الحروبِ ببلّور بريقِ البذخِ

وتهزجُ ترانيمُهم بالمزيد من الدبكاتِ الدبقةِ

على جثامينِ الشعراءِ.

حسناً سأبتكرُ طريقةً للّهوِ على جسدِك

سأحتضنك مثلما تحتضنُ نخلةٌ مهلّسةٌ من السعفِ

تاريخَ المخيّمِ الغريرِ

وإبريق الماء الأخضر الذي يجهلُ الوقتُ لونَهُ

ونلعنُ الضَّجَرَ

ونمارسُ رذيلةَ البقاءِ

رُغمَ أنفِ الزمنِ الذي

تعجنُه أيادي الغجرِ بالبصاقِ

ونحرصُ على سحقِ وردتِنا الغريرةِ

في كتابِ الكائنِ

ونلغي تفاصيلَ التعرّي

مادامَ الرّبُّ يشهدُنا بشغف!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قصيدتي المجترّة

يا ترى هلْ أخطأتُ

حينَ فتحتُ ستائرَ عزلتي

وافتضضتُ بكارةَ سرّي الكبير؟!

وحين جرّدتُ عقلي من الفهمِ للمرّةِ الألف

و وثقتُ بحبٍّ أعمى؟!

حينَ زرعتكَ قبلةً بلا رضابٍ فوقَ شهقةِ المطرِ

ترنّمتكَ هديلاً يفزّزُ ضجري الأزليّ

ومارستُ دعارةَ النقاءِ والتوحّد في إفشاءِ خطايايَ

غير متربّصةٍ بأيّ أملٍ

يمتطيني حمارُ الشعرِ منتحراً

في أوّلِ دمعةٍ يذرفُها نهيقي

على يدكَ الموشومةِ بحبّة رمّان

ثمّ أمضي إلى سوقِ النخّاسةِ وحدي

أستبدلُني بحفنةٍ من الترابِ الذهبيّ لوطنٍ يرفضُني

وحبيبٍ لا يفقهُ حجمَ حبّي

فأنتمي لِهراءِ أشباحي…

سأغضُّ بصري عن مفاتن المتنعّمين

ولن أنجو من بئري

لذا أكيلُ اللكماتِ لنفسي

أقتصُّ منها فرحَ قصيدي

وشطحاتِ كائنٍ هبطَ منْ مجرّةِ الشعرِ

على زنبقتي السوداء

فأنتقي قملتي الكبرى منْ شعرِ الوقتِ المبتورِ

وأعاقبُها عنْ دمي، حلمي

وبقاياي المجترّةِ لأنساغِ الأحزانِ.

أعتذرُ لكَ عنْ بوحي الملتهبِ

فقدْ ظننتكَ ملاذي

فأنزلت أشرعتي وتوسّدتُ شاطئكَ الفضّيّ

و ودّعتُ نورسي

ألوكُ لقيمةَ حبٍّ

عافها منقارُ طائرٍ مهيضِ الجناحِ على فمي

لذا أعتذرُ عن جنوني المطبقِ في التصديقِ

فلستَ سوى (أنت) ولستُ سوى (أنا)

ونحنُ خطّا سكّةِ حديديةٍ عتيقةٍ  لقطارِ زمنٍ مارقٍ

هجرها المسافرون بعدَ انتظارٍ بغيضٍ

لذا أعيدُ بهجةَ قُبلتِكَ ليدي

في لحظةِ فرحٍ نسفتها جرائمي

في بوحيَ البريء مع وردتي في كتابِكَ المنتظرِ

ثمّ أعيدُني إلى رفّي العتيدِ ليتآكلني غبارُ أغنيتي الحميمةِ

وأرتطم بألفِ حكايةٍ

يموسقُها موزارت فوق ذبالةِ النورِ الشحيحةِ

في غرفتي البنفسجيّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هللويا

تتأوّجُ لهفةُ مجدولةُ منْ نورِ عينيكَ

تؤبّدُ لحناً أزليّاً

فأشهدُ في غوريهما تاريخي

أعبرُ بسفين الأثيرِ إليكَ

أقتفي سرَّ معجزةِ التخاطرِ الفريدِ بيننا

ألجُ متاهتَكَ المأهولةَ بي

بشوقٍ يأرجُ فرَحاً

أطوي مسافاتِ التردّدِ

أرمي كلّي في حضنِكَ الإفتراضي

وأدندنُ أهزوجتي الأثيرة:

  • هللويا… لا شيء يُقصيكَ عنّي

بعدما اجترحنا معجزةَ شفقِ الفرحِ

لنعيدَ تدويرَ خيباتِنا المريرةَ بنكهةِ الخلودِ

فتخرجُ منْ هاويتها

لتروّضَ المعقولَ باللامعقولِ

راسمةً دوائرَها تحتَ ضوءٍ ذابلٍ

في شبهِ تصديقٍ لذيذٍ

متراميةً على أصقاعِ الترقّبِ

تُزركشُ أحزانَنا في جزائر الإنتظار

لترسمَ تخومَ صمودنا الأبهى

وتزجُّ أنساغَها في أوقيانوسِ الهمسِ

حتّى تصرخ أمجادُها التليدة

وتجترح الصّحوَ في مواسمِها المطيرة!

هللويا

هي ذي حكايتُنا السّرمديّةُ

قصيدةٌ جموحةٌ تكتبُ نفسَها

على حيطانِ درابين حيّنا الآتي

وتبتكرُ نوتاتٍ فريدةٍ لألحانها الشّجيّة

وأنا وأنت نسترسلُ

في إدراجِ بنودِ تصديقِنا الملهوفِ المشتقِّ

من يبابِ الحرمانِ التليدِ

ونرتشفُ ما تجزلُه أحرفُ اسمينا

حتّى رمقِنا الأخير…

هللويا

نلتقي أو لا نلتقي بعيداً عنْ متاهةِ عزلتِنا

حيثُ يتخمَّرُ عشقنُا المهموسُ

في أقبيةِ الفراغِ فرحاً معتّقاً

يسكّرنا حتّى ينختمَ المقدورُ بعسلِ تلاحمِنا الفذّ

و نحنُ ملتصقانِ بهاويتنا الأخيرة

فهاك مفاتيحي وأبوابي وأزرار قميصي وبئري

واصرخْ بكلّ جموحِ الأعاصيرِ:

هللويا

لمجدِ عشقنا الذي

أنقذناهُ منْ براثنِ الوقتِ المميت!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

)هللويا): كلمة عبرانية معناها (سبحوا الرب)

)اوقيانوس): كلمة أغريقية تشير الى الخضم او المحيط

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومضة نهاية النفق

في قوقعةِ أذنِهِ

يستحيلُ الصّوتُ زغاريدَ

فتضيعُ جمهرةُ الكلماتِ

يستبدلُ بقلمٍ فريدٍ أذنَهُ التالفةَ

فيرسمُ قواقعَ للمجرّاتِ النّائيّةِ

وشعراً صاعقَ الدهشةِ

تقرضُهُ فئرانُ الوقتِ

فيتسلّقُ سلّمَ الحروفِ

يبهرُ يراعُهُ أزمنةَ القحطِ

وينتشي ببصيصِ فرحٍ مهموسٍ

من شاعرةٍ خرساء مفخّخةٍ بالأحزان

تقيمُ على تخومِ الوجعِ

تربتُ على أكتافِهِ بحرفٍ هزيلٍ!

الشاعرُ الأصمُّ يزدري بلاياه

بأقصى سموّ

يلعنُ أقدارَه بقصيدٍ ملكيٍّ

يتسنّمُ عرشَه بين منساه

وأطلس فردوسه المفقود

و ها هما يرسمانِ الحياةَ بألوانٍ قزحيّةٍ

ليضيء القوسُ بنكهةِ السطرِ البنفسجيّ

ثمّ يتوغّلانِ في غوايةٍ سرمديّةٍ

لا تكلُّ عن العبثِ في دهاليز المتاهةِ

عسى أنْ تبرقَ ومضةٌ في نهايةِ النفقِ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أرسمكَ وَتَراً

مُغْمَضَةَ العينينِ بنصفِ اغفاءةٍ

أتلمسُّ خواءَ وجودكَ جنبي

أُزيحُ الغطاءَ عنْ غيابك

وأفتعلُ صباحاً مزدوجاً لأنعمَ بِنكهةِ الفرح ِ

أدسُّ رأسيَ في وسادتكَ الخاليةِ

أطبعُ قبلتي على شرشفٍ أبيضَ منتقيةً مكانَ فمك

ثمّ أستردُّ الوعيَ المرَّ لثوانٍ

أنتحي جانباً مُخلفةً دمارَ مَعركتي

على سفحِ السريِر الباردِ

أمسحُ بعنادِ دمعةً لئيمةً

تَترقرقُ في أجفاني

أجفّفُ منبعها بمنديلٍ ورقيٍ

وأنهضُ من بقعةِ الحُلمِ

أتركُ ملابسَ نوميَ وجثتكَ الباردةِ

وأهربُ من غرفةِ النومِ

لأجدكَ قُبالتي مُنتظراً شايَ الصباحِ

ليبدأَ المشهدُ الثاني

من بانوراما الضياعِ في لذةِ الجنونِ

ويبدأُ قلمي بانتقاءِ الأغنيةِ القادمةِ

فندندنُ معاً شهوةَ الريحِ

ونقتصُّ من الأشياءِ عُذريّةَ المكوثِ

غير آبهينَ بكلِ منْ حولنا

هكذا أرسمُكَ وتراً في أيامي

وتكتبني في مسلّةِ الغيابِ تاريخاً لا يغيب!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أيتها الأبواب

أيتها الأبوابُ المشرعةُ للعدم

أوصدي جحيمك المستعر

دعيني ألتقط أنفاسي الأخيرة بكامل التصديق

امنحيني سرابي وبريق الزهو الخلاب

أوسمة معاركي وطواحيني

دولاب هوائي الملون

أقراطي التي أبتدعتها الشمس من قصيدة عرجاء

لململي أذيال العتمة من عتبات رؤياي الشحيحة

لم أعد من الأحياء

سلبوني حتى ظلي المتأرجح

فوق حيطان وطن أعتقدت أنه وطني

لاتجزعي آتية إليك بكل قواي المتبقية

سنفنى معا  في أتونك المنتظر

تتطايرُ أوراقي الهامسة

في ذبالة أخيرة تتشظى

جذاذات على هدير امواجك الصاخبة

لم تكوني أبدا ً غايتي

غير أنَّ الطريق يغيّرُ وجهته تجاهك

إسمعيني

أنا أسير إليك

أحمل نعشي وكنايتي

ألتمسُ الظلَّ الباقي تحت أقبية جنوني الفذ

فكيف صدقت الكذبةَ الأخيرة؟!

كيف عمّدتها بالحبِّ ولم تكنْ كفافي؟!

إني أغتسلُ لأتطهّرَ بماء حقيقتك الفذة

أيتها الأبواب أنتميك

لا اراوغُ ولا أجادلُ في اندماجنا الأزلي

أبيعك بقاياي كلها

سأسيرُ إليك أحملُ مجدي المستحمر

أشذّبُ هندسةَ الفراغ

لأمتلك أقدامي في أفعوانيّةِ التفاهةِ المطلقة

أتدحرجُ آيلةً للسقوط برضاي المعهود

فابتهجي جدّاً

لم يعد إلاك حضناً دافئاً

لم يعد سوى جليدك مرماي الأخير

أتساقط

أنحل

أتقهقهر

أتدحرج إليك

سنتّحد يا بوّابات الضياع الأكبر

أترك أغنيتي وظلالي وقلمي المكسور

عند آخر محطة أرتضت بي

عند آخر ذبابة أزعجتني

عند آخر زوجة ظنّتني أسرق رحمها

أترك هرائي الذي أعشقه

وأنا أرتشفك بكامل شغفي

آتية إليك

أوقدي شموعك كلها لإحتراقي الأخير

تيمّمي أتربتي وغنائي

يا سيدة الأضدادِ

لنلتحم في أهزوجة أخيرة

سنتفق على هدنةِ الموتِ معاً

ليفنى كلانا

كي يكفّ الكونُ عن النباح

تتوقّفُ النواعيرُ

عن ضخّ الأناشيدِ في السواقي

ليحطّ أخيراً من أسطورته الرخُّ الأعمى

هيّا لنرقصَ محتفينَ بأكراتك الفضية

نهمسُ للفراغ بالإمتلاء الكامل

أسدُّ خياشيمي

لألعقك ببهجة النهاية

فكوني عنواني

وأكون لك كينونة بلا انتهاء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   *  بطاقة تعريف

ظمياء ملكشاهي

× شاعرة وكاتبة كرديّة (فيليّة) باللغة العربيّة

× ظمياء ولي الله كرم علي ملكشاهي

× ولدت في28أيلول 1964في مدينة المنصور ببغداد

× أكملت دراساتها: الإبتدائية، المتوسّطة والثانوية في بغداد 

× بدأت الكتابة في مرحلة الدراسة المتوسطة، واشتركت في عدّة  مهرجانات ومسابقات مدرسيّة شعريّة ، بالإضافة إلى محاولاتها في فن الرسم.

× إلتحقت بمعهد الإدارة والإقتصاد، ومعهد الإذاعة والتلفزيون، حيث نالت شهادة دبلوم إدارة واقتصاد وشهادة في (فن كتابة السيناريو) من (معهد الصالحيّة)، ومن ثمّ إلتحقت بكلية الآداب – قسم الإعلام سنة 1999، لكنّها فُصِلَت وحُرِمت من استكمالها بجريرة أصولها الكرديّة – الفيليّة.

× ناشطة في منظمات المجتمع المدني في بغداد وفي الدور الثقافية للمرأة وجمعية الكرد الفييلين، وبعد انتقالها إلى أربيل أدّت الدور نفسه في منظمات المجتمع المدني.

× نشرت الكثير من القصائد والمقالات في الصحف العراقيّة: (الزمان)، (كربلاء اليوم)، (المستقبل) و(الشرق)…

× نالت العضويّة في العديد من الجمعيّات، المنظّمات، الإتحادات، الرابطات والمنتديات، في إقليم كردستان العراق والخارج، حيث نشطت ثقافيّاً واجتماعيّاً؛ فنالت العديد من الجوائز وشهادات التقدير ولوائح التكريم ومنها:

– (جائزة العنقاء الذهبيّة)

) درع الشاعر محمود درويش)

×  أدرج الأستاذ جواد عبد الكاظم سيرتها في (معجم الأديبات والكواتب العراقيات في العصر الحديث) ج4/ الصادر/عن دار الفرات للثقافة والأعلام في /2017
× صدرت مجموعاتها الآتية :

  • (سطور على الماء ) في 2012
  • (أمواج الوهم)
  • (ضجيج الصمت)
  • (غرق)
  • (طائر السعد)
  • (تراتيل فيليّة)
  • (تراتيل الصّمت)
  • (فيلي أنا) مشفوعة بالترجمة الأمازيغيّة للشاعر الجزائري مازيغ يدر
  • (وترحل النوارس) 2018 وهي مشفوعة بالترجمات :

الأمازيغيّة لمازيغ يدر- الجزائر/ الإنكَليزيّة لرضوان الناجي – ليبيا/ الفرنسيّة لبو فندورة خميسي – الجزائر

 

 

 

 

 

 

 

الشّاعرة ظمياء ملكشاهي *

من ولادتها في جحيم الجينوسايد حتى مشارف (القصيدة المضادّة)  

 

جلال زنگابادي

 

كان لتراجيديا مظلوميّة الكرد الفيليين التي تضاعفت؛ بحجّة وذريعة تبعيّتهم الإيرانيّة، في مطلع  ثمانينات القرن الماضي؛ بحجز وثائقهم الثبوتيّة وأموالهم المنقولة وغير المنقولة، ثمَّ التسفير والتهجير القسري لمئات الألوف من شيوخهم ونسائهم وأطفالهم، بل بممارسة جينوسايدهم باعتقال أكثر من عشرة آلاف شاب وتعذيبهم واعدامهم بشتّى الطرق ومنها إجراء تجارب الأسلحة الكيمياويّة والبايولوجيّة عليهم وحتى دفنهم أحياء؛ كان لها أكبر الأثر في تفجير موهبة الصبيّة اليافعة ظمياء المحجوزة في أقبية الأمن العامّة، حيث كتبت أول قصيدة لها بعنوان (مفتاحنا)

وهنا أدوّن لمحات من إنطباعي عن مجموعتها الشعريّة (ذاكرة الظّلال) التي شرّفتني بقراءتها وتنقيح لغتها وإبداء الملحوظات عليها، والتي أتوخّى من ورائها جذب انتباه النقّاد المختصّين لدراسة شعرها:  

إثر تهافت المشاريع الكبرى (الإشتراكيّة، القوميّة والدينيّة) في عالمنا المعاصر؛ لم تعد للقصيدة الحقيقية المعاصرة رسالة إيديولوجية طوباويّة (سياسيّة، قوميّة، دينيّة..) تدجينيّة قطيعيّة…أجلْ؛ لمْ تعد القصيدة دعوة حميمة إلى الفراديس الزائفة والوهميّة، وإنما صرخة من جحيم الواقع تسخر من اليوتوبياهات والآمال الزائفة..

يتجلّى في القصائد الحرّة لشاعرتنا جوهر الشعر الحقيقي بجسارة لغويّة ذات بلاغة مبتكرة لاذعة ومقلقة، بحيث تؤسّس شعريّة مضادّة في العديد من قصائدها؛ إنطلاقاً من استثمار حرّيّة الإبداع؛ وهنا من البداهة أن تهدم الشاعرة الأشكال والقوالب التقليديّة المعهودة في الشعر المنظوم العمودي وشعر التفعيلة وما يسمّى خطأً بـ (قصيدة النثر)، حيث تتقاطع في قصائدها دائرتا (الشعرنة) و(السردنة) اللتان تتجاذبان وتتمازجان؛ فتسود دائرة (القصيدة الحرّة) أمّ (القصيدة المضادّة)؛ فيعلو صوتها منعتقاً من ركام الموروثات المتمأسسة، التي مابرح أكثر الشعراء يجترّونها، حيث تطلق العنان لجموح لغتها الحافلة بالإهتزازات والإزاحات الدلاليّة، ضد الرتابة وميكانيكية البلاغة البالية الجاهزة والإجترار اللفظي، في حين تستثمر أيّة مفردات بلا حدود تقليديّة جامدة؛ فتبتكر لغة جديدة غير قاموسيّة جامدة، غير زخرفيّة وغير مستقرّة، بل هذيانيّة (أحياناً) تجسّد صوراً مثيرة لفوضى الواقع الراهن واغتراب الإنسان وتمزّقه و شقائه..

جليٌ أنّ القلق الوجودي يطغى على كيان شاعرتنا التي ترزح تحت ضغوط هائلة من الآلام والعذابات والشقاء؛ فتتصاعدُ صرخاتها الإحتجاجيّة، كما تكشف خفايا الإنسان الباطنيّة و تشظّي الذات الإنسانيّة المغتربة.

ولئن تحضر ذات الشاعرة القلقة والمتشظّية في قصائدها؛ فثمّة عشوائيّة تشوب إنسيابيّة وأواصر بعض عباراتها وجملها وفقراتها؛ وهنا تكمن مصداقيّة قصائدها في كونها تنبع من تجارب الحياة الواقعية، وليس من خزين التثاقف رغم أنها تستخدم أحياناً كلمات و رموزاً قديمة… ومن هنا تطالعنا صور مكثّفة ومركّزة مجبولة من معطيات واقعنا المرير وعالمنا الآيل إلى الخراب والدمار، ومن مخيالها الجموح، أكثر ممّا تنهله من مرجعيّات المثاقفة، ومنها  صور سورياليّة تجسّد المفارقات المبكية/ المضحكة في واقعنا التراجيكوميدي..

تكاد الثيمة الإيروتيكيّة أن تطغى على أكثر قصائدها، وفيها تستوقفنا إشكاليّة الصراع بين الشك واليقين وتداخلهما وتقاطعهما..

وطالما تطالعنا الشاعرة ظمياء بعواطفها الجيّاشة، لكنّها سرعان ما تتمادى في الدعابة السوداء والسوداوية النهلستية حتى الوقاحة الفاحشة؛ فهي جريئة وجسورة في بوحها المتمرّد إلى حدّ اقتحام ذاتها بتهكّميّة سوداء مريرة، حيث تنسف الطمأنينة الكاثارسيسيّة، وبنزعة تغريبيّة تقطع انسيابيّة أكثريّة قصائدها، وهنا لربّما يستهجن البعض تطرّفها؛ فأتساءل : هل من المعقول أن نتوقّع قصائد مخمليّة بهيجة من شاعرة ذاقت المرارات من هول إبادة أفراد أسرتها وتعذيبها الرهيب على أيدي أوباش العهد العفقي؟!

وعليه يمكنني الجزم أن الشاعرة ظمياء ملكشاهي ذات موهبة عاليّة نادرة المثيل وتجارب حياتيّة مريرة جدّاً، لكنّها غير مطّلعة بصورة مستفيضة شافية على كنوز الشعر العالمي القديم والمعاصر؛ بسبب ظروفها القاهرة؛ وإلّا لكانت تتبوّأ أرقى مكانة بين شواعر العالم المعاصر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الشمع الأحمر

…و خَتموا بالشمعِ الأحمِرِ بابَ بيتنا

عصبوا عينيّ بخرقةٍ سوداءَ كريهةُ الرائحةِ

كمثل عيون أبي وأمي وأخوتي الثلاثةِ

كنا ستةٌ قبلَ أنْ يَشي القدرُ المتربصُ بعددنا

في مدينةِ الأحجارِ لمْ نرَ سوى غيوماً سوداء

وعويل النسوةِ والأطفال

جاءَ الساحرُ الكبيرِ

وقفَ وسطَ الساحةِ الوحيدةِ

وأمرَ بفتحِ عصاباتِ الجميعِ

و راحَ يتمتمُ شيئاً ما

فاستحالَ الأطفالُ

أحجاراً ترمقُ أهاليهم للمرةِ الأخيرةِ

واستحالت النساءُ نافورات حجريّة

يتدفّقُ الماءُ من أثدائهن

ويرصّ الرجال لترتفع بهم أسوارُ المدينة

فوقف أبي الحجري قبالة إحدى البوّابات

وأشارَ لنا أنْ نهربَ فهربنا

وبقينا خمسة في شوارع مجهولةٍ

حتى رأينا البحرَ

فقررنا العبور

فإذا بالبحر يبتلعُ أخي الكبيرَ

وطفا زبداً

وصلنا إلى جزيرة غريبة

تتدلى الرؤوسُ من أشجارها

جبالُها من رماحِ الفرسانِ

فتدلّى رأسُ أخي الأوسط من إحدى أشجارها

فبقينا ثلاثة

إتّجهنا إلى الكهوفِ

تظللنا غمامةٌ سوداء

و حالما جلسنا إنقضّت الخفافيشُ علينا

وخطفتْ آخر أخوتي

فبقينا أنا وأمي نصلّي

و سرعانِ ما ماتتْ أمّي كمداً

و ها أنا الباقية أدندنُ هذه الأغنية!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أخي الكبير

لكي أبوحَ بِكلِّ قصيدي

أُعَفّرُ روحيَ بِقمحِ وَجْهِكَ

فيموتُ الأسى حتّى لوْ أبْتَعَثَتكَ المَرايا

يتناهى تغريدُ حَسّونٍ

على غصنٍ قصيّ من النهارِ

يَنْثالُ على روحي فيضُ رؤى

فتمسّدُ أناملُ روحِكَ جدائلي

فَتَجْفلُ سكينةُ خاصرتي

تَنزُّ صديداً منْ سُخامٍ

وتذبلُ عندَ حضورِك أكمامُ الأزاهير

يَمْشي صَدانا في الحكاية

وَلا نكبر

يدُكَ تشبكُ يدي المذعورةَ في الدّيجورِ

حيثُ يطارُدنا وجهُ غولٍ يُباعدُ بينَ ساقيهِ

فنمرقُ منْ تَحْتِهِ مرعوبين

نُهرولُ صوبَ ظِلالِ بيوتٍ منسوفة

نَقْبعُ في كهفِ الصمتِ ِ

حتى يأفلَ القمرُ

ويَنْسَلُّ عطرُكَ

يَفْتَحُ أزرارَ الغيوبِ

وتجوسُ قروحُهُ في أنغامِ اليبابِ

فيلجمُ صراخي المدَمّى:

– (أتراني أراكَ ؟!)

وهناك أرخى الصباحُ لثامَ الِجراحِ

تنفسَّ فجرُكَ دخانَ الغيابِ

وتسلّلَ نجمُكَ ليودّعني في الخفاءِ

فراحَتْ جراحي تندى لِجْرحَكَ

و نحنُ ننْزِفُ أنساغَ حكايانا الدّامية:

دميتي التي مزّقوا رأسَها

فباتت بعينٍ واحدة

قطّتُكَ التي ٌ بتروا ذيلَها

فَاستحالَ مواؤهُ نِباحاً

و و و و و و و…….قطارٌ بلا محطّات

يَصْرخُ فينا

فَتَجْفلُ سككه الوديعةُ

لنمضي إلى قبورِنا باسمين

وهنالك ينأى ظِلّكَ عنْ ظلّي

وتفلتُ أصابعُ روحي الصغيرةُ منْ يَدكَ الكبيرةِ

و ها أنا أتشقلبُ ما بين الأرضِ والسّماء…

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بَقايا هَيْكَلي العَظمي…

بَقايا من هيكلي العَظْمي

تَرتدي فُسْتاناً للسَهْرةِ

تُزركِشُهُ الأزاهيرُ الصَيْفيةِ

تَسيرُ نحوَ خيمةِ العزاء

تُرَتّبُ الطقطَقات

كيْلا يَجْفَل هندامُها الغريب

تُرَددَ تراتيلَ الموعدِ الآتي بِلا تَرْتيب

إذْ هلَّتْ عصافيرُ الحكايةِ

على قصيدتي الآتيةِ

أبكرَ مِمّا ظننتُ

فأَطْعمتُها بَعْضَ رؤايَ

وَغَسلتُ أجْنَحةَ النهايةِ

بنورِ عَيْنيَ الباقيةِ

والنَزَر اليسيرٍ منْ مَطَرِ آخر نوّار

قَرّبْتُ لها سَلَةَ خبزي

هُناكَ على أطرافِ طاولةٍ تَحْتَفي بالغبار

بَيْنَما ظَلَّ هَيْكَلي العظميُّ

مُنْتَظِراً جَرَسَ الميعاد

أوْ كَلْباً

أو قطَّةً في الجوارِ

أو شحّاذاً ثَقَيلَ الظلِّ

يَمُرُّ بصدفةٍ عمْياء أو خرْساء

فَيَلْمَحُ ظلَّ هَيكلي العظميّ

عِبرَ شبّاكِ عمري

و يفرُّ هارباً منْ بكائي

(أوّاهِ لمْ تَعْدْ تُجيدُ الغناءَ

هذهِ الكَمَنْجةُ المُعَلَقَةُ

منْذُ ألفِ عامٍ على الجدارِ)

هكذا زمجَرَ هَيْكَلي العظميّ بِكَلِّ ازْدِراء

وصبَّ جامَ غَضَبِهَ على تاريخي التعيس

وأضاف:

(كلّ هذه الضجّة لا تساوي شَسعَ نَعْلي ..

كَمَنْجةٌ تافهة!)

فردَّت الكمنجةُ:

  • (لمْ يَسَعْ قفصي الصَدريّ

سوى أغنيةٍ منسيّة)

فترنّحَ هيكلي العظميّ بينَ الحَقيقةِ والسَرابِ

فَتَحَ أَكرةَ البابِ الفْضّيّةَ

وأخرجَ نصفَ جمجمتهِ

وتوارى في الشارعِ الأفعواني

يَشْتمُ الريحَ والمطر

يستردُّ ديونَهُ

يلوّحُ بيدِهِ البيضاء

فإذا بهاَ أوتارٌ مُقَطَعةٌ

يُزْلِفُ لخيالهِ الظلَّ

فَتَهرِبُ الأضواءُ

يَنْزعُ ثوبَهُ المزركشَ

ويَتَهاوى على بؤسهِ مُردِّداً:

( وَطني حَبيبي

وطني الأكبر)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فارِسُ الحُفْرَة

…حَمَلَ رأْسَهُ بَعْدَ شنقه

وهو يُتَمْتِمُ ويَتَجَشّأُ دَمَهُ:

(يا لهؤلاء السَفْلةَ كانَ الْحَبلُ قاسياً)

ثمَّ وَقَفَ على دكَّةِ المْغْتَسَلِ

منتظراً طَقُوسَ الغُسْلِ

بعدَ ميّتٍ آخر كفّنوه بوجل

قالَ جسمُهُ مُطلقاً ريحاً كريهة:

(يقرؤونَ الآياتِ عليهِ؛ فهلْ منْ قارئٍ عليّ؟)

فردّ الميّتُ منتزعاً منْ فمهِ القطنَ:

(كم أنتَ مِنَ الخاسرين!)

إرتجَّ الُمغْتسلُ لوقعِ أقدامٍ كثيرةٍ سوّرتْ جسمَه

وهي تُرتّلُ سورةَ الصّمتِ

تُدمدمُ بدمعٍ ممزوجٍ بالعويلِ

ففرّ الرأسُ يُدحرِجُ نفسهِ إلى أقربِ حفرةٍ

هَلعأً منْ هَوْلِ ما رأى

يسوّره حشدٌ يحملون أكفانَهم المُضَمّخةَ بالكافورِ

يحملقون في الرأسِ:

(هلْ تَذكرنا؟)

فردَّ الرأس منتفخَ الأوداجِ، يكسوه السّخامُ

بكلّ انكساِر:

(لا…لا…لا..)

وانحنى أحدُهم على الحفرةِ وصرخ:

(نحنُ ضحاياك)

فتَشتّتْ هدأةُ الحفرةِ الآسنةِ

وظلَ الرأسُ يعتصرُ خواءَهُ

باحثاً عنْ جسمه

يَسْتَنْقذه من الشَرَكِ

تراودُهُ رماحٌ ضوئيّةٌ مسجاةٌ بترتيبٍ

رؤوسها متقِدَةٌ بنارٍ عظيمةٍ

تُنيرُ هذا الليلَ المرصّعَ بالوجوهِ

تواصلُ القدومَ العظيمَ

حتى يكتسي الليلُ البهيمُ بلونِ الأكفانِ المدمّاة

وإذا بجثّتِهِ  تصلُ إلى الحفرةِ المنتَظِرة

لتحتضِنَ رأسَها المفزوعَ منْ خيولٍ تتحلّقُ الحفرةَ

وتدكُّ سَنابُكها أصقاعَ الرّعبِ

وفرسانُها يحدّقون

في السّماءِ المُدْلَهمّةِ بالحكايا الرّهيبةِ

حيثُ تَعولُ الريحُ:

“بأيَ ذَنْبٍ قُتِلَتْ؟!”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَقِفُ على ناصيةِ المهزلةِ

ألمّعُ حذاءَ قاتلي

أرمي وردةً على مشنقةِ حبيبي

أُتبّلُ لحمَ جلّادي الأخيرِ بالزعترِ البرّي

أتنقّلُ في مهزلتي بأقصى زهوٍ

بعمرٍ ينأى عنْ طفولتي ِ

أتشبّثُ بأعدائي في مَجرّتي البنفسجيّةِ

لا يثنيني الفُصامُ عن التصديقِ

لديّ المزيد من الخلايا المقاتلةِ

تترصّدُ الدخلاءَ في أديمِ جسدي

تغْلقُ الحُفَرَ السوداءَ في ذاكرتي

فما أبرعَ تلكَ الرؤى

إذْ تنثّ على بقايا أنوثتي

عَبَقاً شَفيفاً ليبقيها مُزهرةً

لَأثورَ على صخبِ البحرِ

وأنزلقَ في تيهٍ لامتناهٍ

هابطةً فوقَ سطوري

أنتقي منْ مَخاوفي الخبيئةِ أشدّها رُعباً

علّني أحوّلها رماحٍاً فضّيةً

أقاتلُ بها أغصاني المُتَشابكةَ بكلّ عنادي

حتّى أصلَ قصوريَ المتاخمةَ لشمسِ أحلامي

أنسجُ من جنائن اللافندرِ شلّالاتِ ضوءٍ

أصبّها في كينونةِ أشياءٍ لمْ تُسَمَّ بعدُ

ثمّ أغادرُني دوماً إليَّ

و لا أجدُ سوايَ حُضْناً يؤوي وَجَعي

ولذا أخفّفُ عنّي

بأنْ أُساندُني في تدوينِ كلّ هَزائمي

ترانيمَ لحدودِ فَطرتي الكهِلةِ

حيث أغيبُ في شدوِ مزمارٍ مجنونٍ

حتى تؤجّجَ المروحةُ العتيقةُ

في سقفِ عزلتي

هديرَ النواعيرِ البعيدةِ

في سواقي ضجرِ مستقبلي!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نعيق الجرس

ثمّة يُفزّزني نعيقٌ

و يركلُ مؤخّرةَ الذكرى بالبسطال

يرنُّ كهاتفٍ قديمٍ دونما توقّف

يأخذني إلى أمّي…

لإنتظارِها المريرِ وحزنِها الكبير

فأقطعُ الكهرباءَ عنه

لكنّه يظلُّ يرنُّ في أحلامي!

أحتالُ عليه بقصيدةٍ

فيتلو عليّ معلّقةً عن آخر قدومٍ للعاصفة

أهربُ من الحلمِ

فيثورُ حفيفُهُ في أجندةِ الذكرياتِ

فأنتقي له زاويةً من النسيانِ

فيعتلي عرشَ الماضي

ناشراً نشازَه في أرجاء مملكتي المهدّمة

فأرفعُ كلَّ الأبوابِ

لأبقيه بلا حيطانٍ

وإذا به يتدلّى من الصّدى

فأكتشفُ أنه رأسي!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في رَأسي تَنضجُ الذاكرة

صَوتهُ يَسيلُ، يغادُر في النهرِ:

– إتبعيني

ثمةَ منْ يفتلُ شاربيه الآن مُنتظراً جَسدي

ليُمرّغَ على أمواههِ بقايا النساءِ الآسنةِ

وليمنحهُ بريقَ الخلودِ

مُسترخياً على كرسيهِ الجلدي

فينقضُّ على صورةِ امرأةٍ أخرى

أَعدموا ثدييها وأخوتَها

يتصاعدُ كرشهُ

فينفثُ حلقةً من السيكارِ العفنِ

مستسلماً لصورةِ القائدِ الرمز

سيعاقبُ المروحةَ حتماً

فهي تحرّكُ الصورةَ الأثيرةِ للقذارةِ الملتصقة ِبها

يداعبهُ النعاسُ فيَمسِكُ قبضةَ مسدّسهِ

يتبوّلُ الحارسُ في سروالهِ الخاكي

قابضاً على إحليله بصمت

سيمرُ يومٌ آخر في منتجعِ العصاةِ

تفزُ الحمائمُ المقيمةُ

على حوافي شبابيك المنتجعِ

الأرضُ تَجتذبُ الكثيرَ من الخنافسِ

والسوائلِ المنويةِ

وعصاراتِ الأفكارِ

إلى هذا الليلِ المستوحدِ الآبقِ

يكتظُ المنفى

بهمهماتِ العراةِ الجاهزينَ للسَّوقِ

مصنفينَ حسبَ أشكالهم الجينيةِ

في قوائمَ سوداءَ معلقةٍ

في رأسِ بغلٍ يستلقي حارساً بوابةَ المنتجعِ

تصيحُ الأريكةُ متقززةً:

(كمْ يُطلقُ منْ ريحٍ في جسدي؟

هل يأكلُ الخروفَ أم الخروفُ يأكلهُ ؟!)

يصيخُ السمعَ فيعاقبها العقيدُ زاعقاً:

(إلى المحرقة.ِ..)

(القضيةُ أكبر) يقولُ الهرُّ القريبُ من المجنونِ

وهو يهربُ

بينما تمُرُّ من أمامهِ أصنافُ المغتصبينَ منَ الوطنِ

لتنتشي أزقةُ الفقراءِ بالخطيئةِ

سائلينَ الربَ عنْ جنانهِ

ثمّ يُجيبُ المجنون:

(ستأتي البومةُ وينتهي الصيفُ)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يلوكني فمُك

يلوكني فمُكَ حكايةً قديمةً

فينبتُ تاريخي

في وجهِكَ مجترّاً

آخرَ فصولي المهرولةِ في  سهوبكَ

يغرسُ بشارةَ الحبِّ الأولى

لكنَّما وجهُكَ المكفهرُّ يودّعُني

كجنازةٍ تنتقي مِنْ أجندتِنا صفحةَ الهجرانِ

وتمهرُ جبينَ حبّي الوضّاءَ بعتمةِ النكرانِ

لكَمْ جئتكَ بحناني

ليتدفّقَ في يباسِ روحكَ شلّال نقاء!

متوّجاً بشوقي الذي يتحلّقكَ بهالاتِ النور..

آه كنتَ كذبتي الكبرى

تتمرّغُ في مدادِ حروفي التي ترسمُ تاريخَ وجهكَ

فابتعتُ الضلالَةَ

لتقودهُ إلى اليُتمِ النازفِ اخضرارَهُ الفذ

في ترانيمِ الخلودِ ِ

إعتدتَ أنْ تردَّ إضماماتي البهيجةَ

بوابلٍ غبارِ خريفٍ قاتمٍ

تمسحُ عن الحقيقة ِ تلاوينَ المسرّةِ التي أُزيّنُ قبحَكَ بها

لم أزل أُشيحُ بوجهي عن مراياكَ

حالمةً بضوءٍ يكسرُ شحوبَ رجولتِكَ الممطوطةِ

لكنّك تظلُّ تمخرُ عُبابَ الخواءِ مجترّاً وجودَكَ الكالحِ

يا ما فرشتُ الياسمينَ درباً لك

بينما انحرفتَ عنه منتشياً بغرورِكَ الأثيمِ

وها أنتَ تبحثُ عنّي

فتشمتُ بكَ دموعي التي

نحرتَها أضحيةً للنسيانِ

تبتزُّ فرحي المتأجّجَ

هازئاً بكلِّ نواقيسي وأعيادي

فهيّا أقمْ مأتمَكَ المؤبّدَ

فالشوقُ الذي أبهرهُ الرفيفُ قدْ أعلنَ اليباب

وباتَ فنارُكَ النّائي بؤرةً للخفافيشِ

فهلمَّ علّقْ على دروبِنا خواتيمَ لمملكتنا المنهارة

لتذوي على أصابعِكَ كخاتمٍ عتيق …

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قهوةٌ مُرّة

هاهنا أحملُ كفني

أقفُ قبالةَ الثأرِ

أقتصُّ منهُ ما يقتصُّ مني

أعاتبهُ بأقصى صبري

منذُ شتاءٍ لا ينقشعُ

وغيومٍ محتقنةٍ

تظلّلُ سمائي الباهتةِ بزيفِ الصّحوِ

فأسألُهُ

عنْ أغنيةٍ سرقتْ أوتاري

عنْ قلمٍ ظلَّ يجذفُ قاربَ الرّيحِ بلا هوادةٍ

عنْ سِحرٍ ينثرُهُ شعري

على سطورٍ تتماوجُ في أرخبيلِ أحلامي

ويطاردُ نكهةَ البحرِ

وعويل الجنّياتِ وأقواسِ قزح

أصفعهُ حتّى تسخن رعونتهُ

لينهي قصاصَه الأثيم

لاهثاً في شراييني وأوردتي

منتشياً بسقوطي

حينما ابتعتُ ظلّاً لرجلٍ

وقايضتهُ بجسدي

عن لحظةِ بهجةٍ هاربة

كنتُ أسيرُ خلفهُ

متقنةً مشيةَ امرأةٍ أثيرةٍ خلفَ طاووسها

وكانَ ظلّانا يتزاوجانِ

لتتمّ نبوءة ُ الإقترانِ مراسيمَها

فإذا بظلّينا يفترقانِ

فأطارِدُ ظلّاً آخرَ

لأقتادَهُ إلى خلوتي

وأعدَّ فنجانين من القهوةِ المرّةِ

وأتبادلُ مع الشبحِ المرتمي على أريكتي

مزيداً من الجدلِ البيزنطيّ حول مصاريفِ البيتِ

وسفرة لي إلى جُزُرِ الكناري…

ثمّ ننام ُمعاً في نهايةِ سهرتنا الصّاخبة

مثلما تنامُ أحجارُ أسوارِ قلعةٍ قديمة

وأوقظهُ صباحاً

ليرتشفَ قهوتَهُ المُرّة التي تثلّجَتْ!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هل تكون وطني؟!

أنفخُ فيهِ من روحي

فيضجُّ بالحياة

لكنْ كمْ أهدرتُ من الحروفِ

لأصل إلى الينابيعِ العذراءِ

في نهايةِ الحكاية؟!

وكمْ تمنّعتُ الولوجَ في قيامةٍ آتية

حتى أجفلني صهيلُ أغنيةٍ عتيقةٍ

تتهافتُ على مدارج البوحِ

وتنتقي منْ شُرفةِ القمرِ فانوسَها الفضّي

لتعلّقهُ في أجنداتِ الهروبِ من العاصفةِ

فأيّ جدوى منْ وجودٍ

لا تكتبُهُ غدرانُ أشواقِك؟

ولا تحدّه الأيائلُ الهاربةُ صوبك؟

ثمّ ما أخطرَ أنْ نبقى محتجزين

في سطرٍ لا يرغبُ في الكلامِ

و ما جدوى ثورةٍ بلا ثوّار

تقتاتُ منْ أتونِها جذوةُ الأرَقِ

لتعلو بيارقُ اللقاء؟

آهِ ما أضْيَعني دونك

إنْ لمْ أكنْ بركانَ انعتاقِ يصبُّ حِمَمُهُ

على قلبِ العاصفةِ

حتّى يندى جبينُكَ بلهيبنا

وتهزجَ تراتيلُ إحتدامِ ناقوسِ كنيسةٍ نائمةٍ؟!

إذنْ طوبى للحظةٍ رسمتُكَ في دفاتري إلهً للشعرِ

وطوبى لأخرى قدّتْ قميصي

نحو رؤاك تجرّدني منْ خطيئةِ الهروبِ

وأنا أقترفُ الغيابَ المتقطّعِ مرغمةً

لنستفيق ذات سباتٍ

نتقافز في جنائننا المعلّقةِ

عسى أنْ نغترفَ يقينَ الحبَّ الأوّل

ونجلو مرايا الوهمِ بماءِ الوجودِ

وها أنا أخفيكَ عن وجعي

وأهرّبكَ إلى دفترٍ صغيرٍ

رسمتُ فيهِ سريراً

لألتحفكَ بلا غلافٍ

فتتمُّ النبوءةُ آخرَ طقوسِها الآتية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في أمسٍ غدنا القريب

…و سألني:

– ألمْ تتيقَّني بعدُ منْ امتلاكِكِ لي؟!

أجبته:

-لا

فأنا محضُ حلمٍ إقترفَ خطيئةَ الولادةِ

بين كذبةٍ ويقينٍ

وتسلّلَ موارباً نفسَه بين الصَّمتِ والصّراخِ

و راحَ يفشينا كإعلانِ ضوئيٍّ

ليتمَّ طقوسَ تواجدهِ الفذَّ

و يتسَرمدَ رُغماً عنّا

فارّاً من الكنايات والخرائط

لامرئيّاً في كلِّ الأطالسِ

وللجنِّ الجاثمين على حوافِي أقدارِنا!

فأردفَ:

  • أوَلسْتِ شجرة؟!
  • بلى..وأورقتُ غصوناً كثيرةً

تشابكتْ عند سفحِ توقٍ

تتوغّلُ جذوري

في جلمودٍ على شفا جرفٍ هارٍ

فكيفَ تفيّأتَ ظلِّي؟!

كيف تسكنني أرقا ممضّاً،

تتلبّسُني زغاريدَ في عرسي الغجريِّ؟!

فقاطعني:

  • لنضعَ النقاط َعلى الحروفِ

أو الحروفَ على النقاطِ

أكرهُ التوغّلَ في احتراباتٍ أخرى

  • حسناً سأبقى غباراً

يحطُّ على أكتافِ أقصوصةٍ

من اجتراحِنا المبهرِ

تكتبُنا قبلَ أنْ نكتبَها بعنايةٍ إلهيةٍ

فقدْ تبيَّنَ أنكَ جاري

ولا أدري

لكنْ كيفَ صرتَ حبيبي ؟!

ورحتُ أشهقكَ مطراً

في فجرٍ شتائيٍّ كئيبٍ

لعلّني أكونُ حقلَكَ

فتكونُ سنابلي

وأكون خيالَك

فتكونُ جسدَهُ

وخطاكَ تسبقُ خُطايَ

تهرولُ بي إلى برزخِنا المنتظِر

فَهلمَّ ‌‌‌أنشرْ شراعَ الشّوقِ

فلنا بحرُ العشقِ

ونوارسُهُ

وبنفسجُ ساحلِهِ الحاني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حكاية السمكة الذهبية الطائرة

من مواسمي التي أجفلَها النعيقُ

صرتَ هطولي الأخير

زخّاتٍ من الماسِ تناثرتْ فوق كوكبي غير السيّار

وقد افترّ ثغرُ الرّضا

فذات حلم قفزتُ من حفرتي إلى حفرتكَ

في مرجٍ أخضر

وراودتكَ عن فزعٍ أخير يتشّظى في حرماني

فاكتظّ المشهدُ الخرفُ بقرفٍ وبيلِ

إذْ تقمّصتُ سمكةً ذهبيّةً

وطرتُ بأجنحتي الخرافيّة منْ دورقي الآمن

إلى دورقكَ الهائجِ

لكنّما في هنيهةٍ إجتاحنا هاجسُ الرجوعِ

وقبل أنْ تتمطّى حكايتُنا العبرةُ بنفيرِ الفنتازيا

أيقظني إجتراري

وجدتني من المجترّاتِ الخطيرة

أذهلني هذا التصنيفُ

إذْ مارستُ الإجترارَ مذ كنتُ خروفةً صغيرةً

يطاردُها الذئبُ في قوسِ قُزَح

عاريةً عن الفهم

تتربّصُ بالمطرِ

لتقتبسَ فرحةَ البنفسجِ

متدرّجاً في هالات الضوءِ

يمطرُها برهامِ الفرحِ.

أجتر الذكريات، الدموع، المواسم،

البدايات، النهايات

والحروف التي تحلّقُ

في مستنقعِ التفاصيلِ التافهة

فيا لغبائي….!

كيف ارتميتُ في كفّكَ عصفورةً يبللُها المطرُ؟

تزقزقُ على السطر الأخير

لتتأبجدَ في فهارسِكَ القديمةِ

مكتظّةً بألفِ مفازةٍ تحملُ أكاليلَ النسرينِ

تجوسُ في جهاتِكَ التي

تحدّني من كلّ مساحاتي

وتسمّرني في براثن حروفِكَ

تخلبُ لبَّ عقلي بغوايةٍ شائكةٍ!

نعم أحبّك…

ولستُ أهابُ المثولَ أمامَ بابِك العالي

لكنّما أعتصمُ منكَ بك!

أسجي خرافتي تحت شمس تموز الحارقة

أتحلّقكَ كما تفعلُ النسورُ

لأباغتَ أجنحتي بعد نأي مديدٍ عن الحبِّ

وأطيل المكوثَ في أجزاءِ ثانيتنا المترهّلةِ

بعيداً عن دساتير الحكمةِ المعقوفةِ

فأنتَ رغيفُ أقصى كفافي..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مادمتَ لي

ماانفكّت الأصداءُ عابرة المدى

تداهمُني

تستجلي ضعفي

لتبترَ آخرَ أقدامي التي

تنمو على ظلال السطور

لكنني أنوءُ بحبك،

أخفيه عن الظلال الآيلة للبهتان

أمنحُ لنافورتي امتدادها الفضّي

فيضجّ هذا الديجورُ

صاخباً بمهرجان الألوانِ

فما أبهاك في روحي

حيث تفنّدُ كذبةَ النهاية!

أبتدئك بكلّ الأنساغِ التي

تتصاعدُ وتنفلقُ إشراقا

أجوبُ بك في أصقاعَ الخلودِ

حاملةً فانوسَ الوقتِ الذي خذلنا

وكوابيسَ التهميشِ

مدجنةً بانبهارٍ فتى كاظمٍ لغيظِ القسوةِ التي

تغطُّ في سُباتها القسريّ

يضيئني حبّك الملغومُ بألف فتنةٍ

وألف حرفٍ شجيٍّ

يُبهرني بطيشٍ يسبقنا إلى لقاءٍ في الغيب

فهل إبتكرتني أم إبتكرتك؟!

و ها نحنُ نعبرُ حواجزَ العَسَسِ

نزلزلُ أمصارَ الحكايةِ

لنصل إلى ذروتنا المرتقبةِ

على شفا حفرةٍ من البهجة،

تداهمنا أرقامُ العمرِ البشريّ

فنجتازُ غوايتَنا بعدْوٍ سريعٍ

ونطوي تخاذلَنا

لنمرّرَ أقصوصةَ الإلتحامِ الأبهى

في وقتنا المستقطعِ من خاصرةِ الحزنِ

إذْ تتأجّجُ ثورتُنا الشائخةُ

في أتونِ صبوةٍ خُرافيّةٍ!

فيا أيّها المتقدُ سحراً في روحي

خذني إلى لازمكانِك الذي ابتكرتَهُ

إلى أحضانِكَ الإفتراضيّةِ

لنؤدلجَ اتجاهاتِ الريحِ

ونفنى

لعلّنا نعود أجمل

حيث تتفانى عقاربُ الوقتِ في المكوث

مادمتَ لي

أيّها الحلمُ الذي شَطحَ ذاتَ مستقبل!

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رفقاً بقلبي

… ليس كتماناً

ما يبوحُ في صدري لجوجاً ساخطاً

مِنْ تردّدي معطّراً بالحبِّ يغشى بصيرتي

فأستفيقُ أدمدمُ مع الرّيحِ

في زمنِكَ الشّسوعِ الخارِقِ…

ثمّة تحرّكُني خيوطُكَ محشوةً بالبلاهةِ

أتراقصُ بشبقٍ في دائرةِ ضوئِكَ الخافتِ

آيّها المكتظُّ بالرّؤى

فهلْ تراني؟!

تمرُّ كسحابةٍ حُبلى

تمنحُ جدْبي نشوراً أخضرَ

أيّها المكتنزُ بفتنةِ الحضورِ المتوهّج

تُرافِقُ صَحوي و رُقادي

نحيلاً تمورُ في صَخَبِ المواتِ

فتخضرُّ الدروبُ تراتيلَ رخاء

أيّها السّامقُ فكيف أنكثُ عهدي المكين؟!

ها أنّكَ تمدُّ أروقةَ الصّحوِ

في مقالعِ أحجاري

فتبني قلعتَكَ العتيدةَ على أطلالِ مدينتي

و تنقذُ حروفي من أفواهِ الذبابِ

لكنّما يهصرُني الخوفُ

كلّما احلولكتْ نهاراتي برزايا الذكرياتِ

تحطُّ فجيعتي على الأطلالِ

وأنتَ تثوي في آمادِ روحي

نسغَ دفءٍ تُدندِنُ بمواسمِ الحقيقة

فاستجهلُ بزوغكَ بكلِّ حفاوةٍ ووجلٍ

وأمنحُ الظفرَ لبؤسي.

فيا منْ تسبغُ عليَّ آلاءَ البصرِ والبصيرةِ

وتُجلي وَهَني

وتشطحُ عابراً أكواني إلى خميلةٍ مُشتهاةٍ

في عوالمِكَ الفضّيّة

ها أنا ذي أُدْنيكَ منّي وأُقْصيكَ

وأطيلُ مكوثي مابين الترحالِ والإيابِ

وأمدُّ نياطَ قلبي أوتاراً لعزفِ لحنِكَ الشّجيِّ

كما أشحذُ أسنّةَ رماحِ انتظاري

مستوفزةً

وأضفرُ جدائلَ أرقي

لكنّ رؤاكَ تهزمُ شياطيني!

فأظلُّ مابينَ الأملِ واليأسِ المقيمِ

أجترُّ خاطراتي منْ تلوّنِ أقداري

وأبقيها بين التنائي والتداني أملاً وثّاباً

حيثُ تحيقُ بي هواجسي

بوابلٍ من الخوفِ

ويُذكّرني رخاءُ ريحِكَ بأعاصيرِ خُذلاني.. .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ماقبل صراخِ الصمت

تتدلّى رأسي الجميلة جدّاً

من تابوتِ الوقتِ

وجلّادي ينتظرُها بشغف

تفرُّ منها نوارسي

وتندلقُ البحارُ البنفسجيّة

على أشرعةِ السفائن المغمورةِ

في ثرى وطن ليس لي

تفيضُ روحي في سماْءِ شرودي

أسيرُ في اللاطريق

أسلّمُ مفاتيحي للريحِ

وأنكّس راياتي الزاهيةَ لحبّي الكبيرِ

لا تؤويني سطوري

فيضجُّ صوتُكَ الموشومُ باليقين في أوجِ ضلالتي

يشيّعني إلى مثواي في حضنِكَ

فحنانيكِ يا أقداري البلْهاء،

طالَما تقتنينَ لي من الأهوالِ

وتجرّدين أقماري من ضيائها الفضّي

عارية بلا كفنٍ أحبسُ دموعي في محبرتي

فكمْ ضيّعتِ مَنْ وجدته؟!

وكمْ تجدينَ منْ يضيّعني؟!

رفقاً بترانيمي التي

يضمّخُها عشقي بكافورِ السرابِ

فتنتقي قُدّاسَها منْ ضياعي

ثمّة يزمجرُ الصمتُ

فيتناهى هديلي إلى آفاق روحه

لك العتبى حتى تتركيني

أنمو على ضفافِ حلمٍ زارني ذات حلم

زهرة للجلنار أضوعُ

فينتشي نبضُ قلبِه

ويضجُّ بعنفوانٍ تغتذي بهِ حروفي

فجالدي يا رفرفةَ أجنحتي الباقية

وجالدي يا أسرابَ الحمائم للسموِّ

واهربي إليه بكلّ قواكِ

قبل أنْ ينتزعَ الوقتُ اللئيمُ عقاربَه

منْ مواسم الفرح الشحيحِ

وتجاهلي الفوارز بين كلّ غيمةٍ ومطرة

فلا عروة أوثق منْ حبٍّ يكتبُهُ القدر!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حطامُ قصيدتي

… ثرثري أيّتها الجامحةُ

في أتونِكِ المتوهّج اتّقاداً

يا سليلةَ مملكةِ الهذيانِ البكرِ

وعصا موسى

تهشّين السّطورَ

فتنبلجُ عيونٌ رقراقةٌ

على كلّ سطرٍ كفجرٍ أندلسيٍّ.

يا قصيدتي التي تكتبني

إنسَيْ وجعي المؤبَّدَ

رمّمي قواميسَ الجدلِ العقيمِ

بيقينِ أسطورتِكِ الخالدة

أشرقي في دياميسهم شمساً تليدة

وابتهلْ يا غيثَ الصمتِ الأبهى

دندني يا مزاميرَ الريحِ العاتية

تلبّسي شياطينَ الفكرةِ الموغلةِ

في تلافيفِ أغنيةٍ عراقيّةٍ قديمةٍ

أمطرني …

أمطرني بالصّحو والبكاءِ الغزيرِ

يا أروعَ خذلانٍ يجوبُ همساتِ التاريخ الذاوي

إعزفي يا ربابتي

أنشودةَ الطوفانِ القادمِ من خوفي

ليسَ ثمّة سواكِ يُعيدُ صَلبي

وأنا أنتقي صلبانَكِ!

أيّتها المؤجّلةُ في رحمِ مدادي

أسبغي نعماكِ على رهامٍ

يغسلُ وجهي بصحوٍ مقدّسٍ

أرقصي حولَ نيرانِكِ العظيمةِ

يا غجريّتي الأبهى

قبلَ أنْ يغتصبَ المتشاعرونَ عفافَكِ

واشهدي لجنوني بالمثولِ

تحرّري كالنوارس

وتواثبي في سهوبي أيائلَ تنجو من الصّيّادين

إعزفيني هادرةً كالموجِ

سأشتقكِ من المُحالِ يا غزالتي الشاردةَ

بدّدي أضاليلَ البُغاةِ بحقيقتِكِ المُبهرةِ

يا فضيلتي الوحيدةَ المُفتراةَ منْ تاريخِ اغتصابي

لا تقبّريني

كوني نَعشي وشاهدةَ قبري

جَلجلي كلَّ أهازيجِكِ في مواتي

قبلَ أنْ يصرعَكِ طوفانُ الوقت

ويقذفَكِ زَبَداً على شواطيء النسيان

وأنتِ يا رايتي التي

فقدتْ وطنَها إعتلي ساريتي

إمنحيني أجنحةً

لكي أرفرفَ في أخيلةِ ملحمتي

وينبثقَ نشوري

أنثري جُمانَكِ الفريدَ في تلافيفِ فكرتي

لا تبخلي يا قوقعتي الصلدةَ في خواءِ غربتي

أدحري أوشامهم الغريبةَ في جسدِكِ البضِّ

وانقشيني تميمةً للحبِّ في نهرِكِ الفضفاضِ

حيث ستمكثينَ

في أظلافِ الدفاترِ العتيقةِ نقشاً خالداً

حتّى لو تقبّرني سنواتُكِ العجافُ

كوني أو لا تكوني

فأنا حطامُكِ يا منْ تكتبينَ نعيي

يا حطامي!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في فردوسِ النزوح

أشهدُ شيخاً يتصابى

وفتاةً مسلولةً يهصرُها الجوعُ

تزعجُها الحشراتُ

تَترنّحُ في مشيتها

طالما يبصقُنا الوقتُ في الخيمةِ النازحةِ

حيثُ أراقبُ الأشياءَ بقرفٍ كبير

لا عملَ لي سوى ابتكار الطنينِ

والدوران حولَ نفسي

يا ليَ من ذبابةٍ تحطُّ على مزبلةِ التاريخِ!

تحدّقُ كثيراً في الهاويةِ المتراميةِ

حتّى خطّ الأفقِ المرتهنِ بضوء النهارِ الشّحيحِ

فمن أنا؟!

تلاحقني أسرابُ النملِ

وتشي بي حيّاتُ الخنادقِ تحتَ أوتادِ الخيامِ…

أوّاه كيفَ مرّغوا تاريخي السومريَّ

في نخاعِ الجيفِ المهروسةِ

مع مطّاط الهلال الأحمر؟!

لماذا باتَ عمري طابوراً طويلاً للإنتظارِ؟!

لماذا يراوغُني الموتُ ولا يأتي؟!

هلْ تزيحُني الكلماتُ أمْ أزيحُها

لتبدو سرديّةُ النصِّ

أعمقَ من الهذيانِ المتمّمِ لنعمةِ البوحِ الأقصى؟!

تتراقصُ شموسُنا بعيدةً عنّا

وأيّامنا أبعد

حتّى يمحونا التاريخُ

وتشيّدُ النّمال منْ عظامِنا مقاصلَ للهواءِ العابرِ

منْ فتحاتِ الذاكرةِ الذاويةِ

وأنا مابرحتُ أخيطُ الجراحَ باللونِ الأبيض

لتنتشي غاباتُ أثرياءِ الحروبِ ببلّور بريقِ البذخِ

وتهزجُ ترانيمُهم بالمزيد من الدبكاتِ الدبقةِ

على جثامينِ الشعراءِ.

حسناً سأبتكرُ طريقةً للّهوِ على جسدِك

سأحتضنك مثلما تحتضنُ نخلةٌ مهلّسةٌ من السعفِ

تاريخَ المخيّمِ الغريرِ

وإبريق الماء الأخضر الذي يجهلُ الوقتُ لونَهُ

ونلعنُ الضَّجَرَ

ونمارسُ رذيلةَ البقاءِ

رُغمَ أنفِ الزمنِ الذي

تعجنُه أيادي الغجرِ بالبصاقِ

ونحرصُ على سحقِ وردتِنا الغريرةِ

في كتابِ الكائنِ

ونلغي تفاصيلَ التعرّي

مادامَ الرّبُّ يشهدُنا بشغف!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قصيدتي المجترّة

يا ترى هلْ أخطأتُ

حينَ فتحتُ ستائرَ عزلتي

وافتضضتُ بكارةَ سرّي الكبير؟!

وحين جرّدتُ عقلي من الفهمِ للمرّةِ الألف

و وثقتُ بحبٍّ أعمى؟!

حينَ زرعتكَ قبلةً بلا رضابٍ فوقَ شهقةِ المطرِ

ترنّمتكَ هديلاً يفزّزُ ضجري الأزليّ

ومارستُ دعارةَ النقاءِ والتوحّد في إفشاءِ خطايايَ

غير متربّصةٍ بأيّ أملٍ

يمتطيني حمارُ الشعرِ منتحراً

في أوّلِ دمعةٍ يذرفُها نهيقي

على يدكَ الموشومةِ بحبّة رمّان

ثمّ أمضي إلى سوقِ النخّاسةِ وحدي

أستبدلُني بحفنةٍ من الترابِ الذهبيّ لوطنٍ يرفضُني

وحبيبٍ لا يفقهُ حجمَ حبّي

فأنتمي لِهراءِ أشباحي…

سأغضُّ بصري عن مفاتن المتنعّمين

ولن أنجو من بئري

لذا أكيلُ اللكماتِ لنفسي

أقتصُّ منها فرحَ قصيدي

وشطحاتِ كائنٍ هبطَ منْ مجرّةِ الشعرِ

على زنبقتي السوداء

فأنتقي قملتي الكبرى منْ شعرِ الوقتِ المبتورِ

وأعاقبُها عنْ دمي، حلمي

وبقاياي المجترّةِ لأنساغِ الأحزانِ.

أعتذرُ لكَ عنْ بوحي الملتهبِ

فقدْ ظننتكَ ملاذي

فأنزلت أشرعتي وتوسّدتُ شاطئكَ الفضّيّ

و ودّعتُ نورسي

ألوكُ لقيمةَ حبٍّ

عافها منقارُ طائرٍ مهيضِ الجناحِ على فمي

لذا أعتذرُ عن جنوني المطبقِ في التصديقِ

فلستَ سوى (أنت) ولستُ سوى (أنا)

ونحنُ خطّا سكّةِ حديديةٍ عتيقةٍ  لقطارِ زمنٍ مارقٍ

هجرها المسافرون بعدَ انتظارٍ بغيضٍ

لذا أعيدُ بهجةَ قُبلتِكَ ليدي

في لحظةِ فرحٍ نسفتها جرائمي

في بوحيَ البريء مع وردتي في كتابِكَ المنتظرِ

ثمّ أعيدُني إلى رفّي العتيدِ ليتآكلني غبارُ أغنيتي الحميمةِ

وأرتطم بألفِ حكايةٍ

يموسقُها موزارت فوق ذبالةِ النورِ الشحيحةِ

في غرفتي البنفسجيّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هللويا

تتأوّجُ لهفةُ مجدولةُ منْ نورِ عينيكَ

تؤبّدُ لحناً أزليّاً

فأشهدُ في غوريهما تاريخي

أعبرُ بسفين الأثيرِ إليكَ

أقتفي سرَّ معجزةِ التخاطرِ الفريدِ بيننا

ألجُ متاهتَكَ المأهولةَ بي

بشوقٍ يأرجُ فرَحاً

أطوي مسافاتِ التردّدِ

أرمي كلّي في حضنِكَ الإفتراضي

وأدندنُ أهزوجتي الأثيرة:

  • هللويا… لا شيء يُقصيكَ عنّي

بعدما اجترحنا معجزةَ شفقِ الفرحِ

لنعيدَ تدويرَ خيباتِنا المريرةَ بنكهةِ الخلودِ

فتخرجُ منْ هاويتها

لتروّضَ المعقولَ باللامعقولِ

راسمةً دوائرَها تحتَ ضوءٍ ذابلٍ

في شبهِ تصديقٍ لذيذٍ

متراميةً على أصقاعِ الترقّبِ

تُزركشُ أحزانَنا في جزائر الإنتظار

لترسمَ تخومَ صمودنا الأبهى

وتزجُّ أنساغَها في أوقيانوسِ الهمسِ

حتّى تصرخ أمجادُها التليدة

وتجترح الصّحوَ في مواسمِها المطيرة!

هللويا

هي ذي حكايتُنا السّرمديّةُ

قصيدةٌ جموحةٌ تكتبُ نفسَها

على حيطانِ درابين حيّنا الآتي

وتبتكرُ نوتاتٍ فريدةٍ لألحانها الشّجيّة

وأنا وأنت نسترسلُ

في إدراجِ بنودِ تصديقِنا الملهوفِ المشتقِّ

من يبابِ الحرمانِ التليدِ

ونرتشفُ ما تجزلُه أحرفُ اسمينا

حتّى رمقِنا الأخير…

هللويا

نلتقي أو لا نلتقي بعيداً عنْ متاهةِ عزلتِنا

حيثُ يتخمَّرُ عشقنُا المهموسُ

في أقبيةِ الفراغِ فرحاً معتّقاً

يسكّرنا حتّى ينختمَ المقدورُ بعسلِ تلاحمِنا الفذّ

و نحنُ ملتصقانِ بهاويتنا الأخيرة

فهاك مفاتيحي وأبوابي وأزرار قميصي وبئري

واصرخْ بكلّ جموحِ الأعاصيرِ:

هللويا

لمجدِ عشقنا الذي

أنقذناهُ منْ براثنِ الوقتِ المميت!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

)هللويا): كلمة عبرانية معناها (سبحوا الرب)

)اوقيانوس): كلمة أغريقية تشير الى الخضم او المحيط

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومضة نهاية النفق

في قوقعةِ أذنِهِ

يستحيلُ الصّوتُ زغاريدَ

فتضيعُ جمهرةُ الكلماتِ

يستبدلُ بقلمٍ فريدٍ أذنَهُ التالفةَ

فيرسمُ قواقعَ للمجرّاتِ النّائيّةِ

وشعراً صاعقَ الدهشةِ

تقرضُهُ فئرانُ الوقتِ

فيتسلّقُ سلّمَ الحروفِ

يبهرُ يراعُهُ أزمنةَ القحطِ

وينتشي ببصيصِ فرحٍ مهموسٍ

من شاعرةٍ خرساء مفخّخةٍ بالأحزان

تقيمُ على تخومِ الوجعِ

تربتُ على أكتافِهِ بحرفٍ هزيلٍ!

الشاعرُ الأصمُّ يزدري بلاياه

بأقصى سموّ

يلعنُ أقدارَه بقصيدٍ ملكيٍّ

يتسنّمُ عرشَه بين منساه

وأطلس فردوسه المفقود

و ها هما يرسمانِ الحياةَ بألوانٍ قزحيّةٍ

ليضيء القوسُ بنكهةِ السطرِ البنفسجيّ

ثمّ يتوغّلانِ في غوايةٍ سرمديّةٍ

لا تكلُّ عن العبثِ في دهاليز المتاهةِ

عسى أنْ تبرقَ ومضةٌ في نهايةِ النفقِ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أرسمكَ وَتَراً

مُغْمَضَةَ العينينِ بنصفِ اغفاءةٍ

أتلمسُّ خواءَ وجودكَ جنبي

أُزيحُ الغطاءَ عنْ غيابك

وأفتعلُ صباحاً مزدوجاً لأنعمَ بِنكهةِ الفرح ِ

أدسُّ رأسيَ في وسادتكَ الخاليةِ

أطبعُ قبلتي على شرشفٍ أبيضَ منتقيةً مكانَ فمك

ثمّ أستردُّ الوعيَ المرَّ لثوانٍ

أنتحي جانباً مُخلفةً دمارَ مَعركتي

على سفحِ السريِر الباردِ

أمسحُ بعنادِ دمعةً لئيمةً

تَترقرقُ في أجفاني

أجفّفُ منبعها بمنديلٍ ورقيٍ

وأنهضُ من بقعةِ الحُلمِ

أتركُ ملابسَ نوميَ وجثتكَ الباردةِ

وأهربُ من غرفةِ النومِ

لأجدكَ قُبالتي مُنتظراً شايَ الصباحِ

ليبدأَ المشهدُ الثاني

من بانوراما الضياعِ في لذةِ الجنونِ

ويبدأُ قلمي بانتقاءِ الأغنيةِ القادمةِ

فندندنُ معاً شهوةَ الريحِ

ونقتصُّ من الأشياءِ عُذريّةَ المكوثِ

غير آبهينَ بكلِ منْ حولنا

هكذا أرسمُكَ وتراً في أيامي

وتكتبني في مسلّةِ الغيابِ تاريخاً لا يغيب!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أيتها الأبواب

أيتها الأبوابُ المشرعةُ للعدم

أوصدي جحيمك المستعر

دعيني ألتقط أنفاسي الأخيرة بكامل التصديق

امنحيني سرابي وبريق الزهو الخلاب

أوسمة معاركي وطواحيني

دولاب هوائي الملون

أقراطي التي أبتدعتها الشمس من قصيدة عرجاء

لململي أذيال العتمة من عتبات رؤياي الشحيحة

لم أعد من الأحياء

سلبوني حتى ظلي المتأرجح

فوق حيطان وطن أعتقدت أنه وطني

لاتجزعي آتية إليك بكل قواي المتبقية

سنفنى معا  في أتونك المنتظر

تتطايرُ أوراقي الهامسة

في ذبالة أخيرة تتشظى

جذاذات على هدير امواجك الصاخبة

لم تكوني أبدا ً غايتي

غير أنَّ الطريق يغيّرُ وجهته تجاهك

إسمعيني

أنا أسير إليك

أحمل نعشي وكنايتي

ألتمسُ الظلَّ الباقي تحت أقبية جنوني الفذ

فكيف صدقت الكذبةَ الأخيرة؟!

كيف عمّدتها بالحبِّ ولم تكنْ كفافي؟!

إني أغتسلُ لأتطهّرَ بماء حقيقتك الفذة

أيتها الأبواب أنتميك

لا اراوغُ ولا أجادلُ في اندماجنا الأزلي

أبيعك بقاياي كلها

سأسيرُ إليك أحملُ مجدي المستحمر

أشذّبُ هندسةَ الفراغ

لأمتلك أقدامي في أفعوانيّةِ التفاهةِ المطلقة

أتدحرجُ آيلةً للسقوط برضاي المعهود

فابتهجي جدّاً

لم يعد إلاك حضناً دافئاً

لم يعد سوى جليدك مرماي الأخير

أتساقط

أنحل

أتقهقهر

أتدحرج إليك

سنتّحد يا بوّابات الضياع الأكبر

أترك أغنيتي وظلالي وقلمي المكسور

عند آخر محطة أرتضت بي

عند آخر ذبابة أزعجتني

عند آخر زوجة ظنّتني أسرق رحمها

أترك هرائي الذي أعشقه

وأنا أرتشفك بكامل شغفي

آتية إليك

أوقدي شموعك كلها لإحتراقي الأخير

تيمّمي أتربتي وغنائي

يا سيدة الأضدادِ

لنلتحم في أهزوجة أخيرة

سنتفق على هدنةِ الموتِ معاً

ليفنى كلانا

كي يكفّ الكونُ عن النباح

تتوقّفُ النواعيرُ

عن ضخّ الأناشيدِ في السواقي

ليحطّ أخيراً من أسطورته الرخُّ الأعمى

هيّا لنرقصَ محتفينَ بأكراتك الفضية

نهمسُ للفراغ بالإمتلاء الكامل

أسدُّ خياشيمي

لألعقك ببهجة النهاية

فكوني عنواني

وأكون لك كينونة بلا انتهاء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   *  بطاقة تعريف

ظمياء ملكشاهي

× شاعرة وكاتبة كرديّة (فيليّة) باللغة العربيّة

× ظمياء ولي الله كرم علي ملكشاهي

× ولدت في28أيلول 1964في مدينة المنصور ببغداد

× أكملت دراساتها: الإبتدائية، المتوسّطة والثانوية في بغداد 

× بدأت الكتابة في مرحلة الدراسة المتوسطة، واشتركت في عدّة  مهرجانات ومسابقات مدرسيّة شعريّة ، بالإضافة إلى محاولاتها في فن الرسم.

× إلتحقت بمعهد الإدارة والإقتصاد، ومعهد الإذاعة والتلفزيون، حيث نالت شهادة دبلوم إدارة واقتصاد وشهادة في (فن كتابة السيناريو) من (معهد الصالحيّة)، ومن ثمّ إلتحقت بكلية الآداب – قسم الإعلام سنة 1999، لكنّها فُصِلَت وحُرِمت من استكمالها بجريرة أصولها الكرديّة – الفيليّة.

× ناشطة في منظمات المجتمع المدني في بغداد وفي الدور الثقافية للمرأة وجمعية الكرد الفييلين، وبعد انتقالها إلى أربيل أدّت الدور نفسه في منظمات المجتمع المدني.

× نشرت الكثير من القصائد والمقالات في الصحف العراقيّة: (الزمان)، (كربلاء اليوم)، (المستقبل) و(الشرق)…

× نالت العضويّة في العديد من الجمعيّات، المنظّمات، الإتحادات، الرابطات والمنتديات، في إقليم كردستان العراق والخارج، حيث نشطت ثقافيّاً واجتماعيّاً؛ فنالت العديد من الجوائز وشهادات التقدير ولوائح التكريم ومنها:

– (جائزة العنقاء الذهبيّة)

) درع الشاعر محمود درويش)

×  أدرج الأستاذ جواد عبد الكاظم سيرتها في (معجم الأديبات والكواتب العراقيات في العصر الحديث) ج4/ الصادر/عن دار الفرات للثقافة والأعلام في /2017
× صدرت مجموعاتها الآتية :

  • (سطور على الماء ) في 2012
  • (أمواج الوهم)
  • (ضجيج الصمت)
  • (غرق)
  • (طائر السعد)
  • (تراتيل فيليّة)
  • (تراتيل الصّمت)
  • (فيلي أنا) مشفوعة بالترجمة الأمازيغيّة للشاعر الجزائري مازيغ يدر
  • (وترحل النوارس) 2018 وهي مشفوعة بالترجمات :

الأمازيغيّة لمازيغ يدر- الجزائر/ الإنكَليزيّة لرضوان الناجي – ليبيا/ الفرنسيّة لبو فندورة خميسي – الجزائر

 

 

 

 

 

Share.