بدايات التدوين العربي الإسلامي، والوثائق الشفاهية برهان شاوي

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

بدايات التدوين العربي الإسلامي، والوثائق الشفاهية

….وحقيقة الأمر أن كتب التراث العربي الإسلامي التي تتناول السيرة والمغازي ونشوء الدعوة الإسلامية وشخصيات تلك الأحداث وأبطالها تتحدث بإسهاب شديد وتروي تفاصيل المعارك والصراعات و تفاصيل غريبة أخرى وبشكل سينمائي أحيانًا، حيث تتوقف عند تفاصيل الثياب والسيوف والدروع وأجواء المعارك وأوقاتها، بينما تتحدث بإيجاز شديد عن الشخصيات الفكرية التي عاصرت أو روجت ونظّرت لتلك الحركات، لا سيما في مرحلة ما قبل التدوين. وهذه إشكالية تاريخية وبحثية أخرى، من حيث إن التدوين بدأ في وقت متأخر نسبيًّا عن مراحل تأسيس الصراع، وبالتحديد في الفترة مما بين 135 ـــــ 140 هجرية.

فمثلًا كتاب (المِلل والنِّحَل) لأبي الفتح الشهرستاني، الذي يُعد من أهم المصادر العربية الرئيسة لتاريخ الفكر العربي والإسلامي في العصرين الأموي والعباسي يعود للقرن السادس الهجري، من حيث إن مؤلفه متوفى في العام 548 للهجرة. إلى جانب أنه يقدم تلك المِلل والنِّحل، من خلال شذرات متناثرة بعيدة عن وجودها الاجتماعي ومتقطعة الأوصال عن جذورها السياسية وامتداداتها في الكثير من الأحيان.

ويمكن التوقف لإشارة (شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي) في كتابه (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والإعلام، منشورات دار الكتاب العربي، بيروت، 1987): (في سنة ثلاث وأربعين (ومائة) شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير.

فصنف ابن جريح بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة. وصنف ابن إسحاق المغازي، وصنف أبو حنيفة رحمه الله الفقه والرأي. ثم بعد يسير صنف هشيم والليث وابن لهيعة ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب.

وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس. وقبل هذا العصر كان الناس يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة). أي أن التدوين بدأ في العام 143 للهجرة وبالتحديد في فترة أبي جعفر المنصور الذي تولى الخلافة ما بين سنة 136 ـــــ 158 للهجرة، كما يتضح أن حركة التدوين كانت شاملة في الأمصار التي استقطبت القراء والرواة.
علمًا أن (محمد عابد الجابري) يشكك في هذا التاريخ لأنه يتحدث عن (تدوين العلم وتبويبه): (إذ من الثابت تاريخيًّا أن التدوين في القضايا التي ستشكل ما سيسمى فيما بعد بـــ “علم الكلام”، كان قد بدأ قبل هذا التاريخ الذي حدده الذهبي واستمر إلى ما بعده. وتكفي الإشارة هنا إلى “المؤلفات” العديدة التي يذكرها مؤرخو الفرق والطبقات لواصل بن عطاء المتوفى سنة 131 هجرية وهي مؤلفات يذكر هؤلاء أنهم اطلعوا عليها مما يؤكد وجودها الفعلي. ومن جهة أخرى هناك إجماع من طرف المؤرخين للعلوم القدماء على أن ترجمة “علوم الأوائل” قد بدأت مع خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان المتوفى سنة 85 هجرية. فلقد استدعى هذا الأمير الأموي، الذي فقد حقه بالخلافة، جماعة من اليونانيين ممن كانوا في الإسكندرية ومدرستها العلمية الشهيرة، وطلب منهم أن ينقلوا له إلى العربية بعض الكتب اليونانية والقبطية خاصة منها كتب الكيمياء).

ومهما يكن من جدل حول بدايات عصر التدوين العربي، وهل بدأ فجأة من الصفر، فإن أهمية عصر التدوين هو أنه كما يشير (محمد عابد الجابري) في كتابة الرئيس (نقد العقل العربي ــــ 1، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 10، بيروت، 2009): (وعصر التدوين بالنسبة للثقافة العربية هو بمثابة هذه “الحافة” ــــ الأساس. إنه الإطار المرجعي الذي يشد إليه، وبخيوط من حديد، جميع فروع هذه الثقافة وينظم مختلف تموجاتها اللاحقة إلى يومنا هذا. ليس هذا وحسب، بل إن عصر التدوين هذا، هو في ذات الوقت الإطار المرجعي الذي يتحدد به ما قبله (على مستوى الوعي العربي بطبيعة الحال).

فصورة العصر الجاهلي وصورة صدر الإسلام والقسم الأعظم من العصر الأموي إنما نسجتها خيوط منبعثة من عصر التدوين، هي الخيوط نفسها التي نسجت صور ما بعد عصر التدوين. وليس العقل العربي في واقع الأمر شيئًا آخر غير هذه الخيوط بالذات، التي امتدت إلى ما قبل فصنعت صورته في الوعي العربي، وامتدت وتمتد إلى ما بعد لتصنع الواقع الفكري الثقافي العام في الثقافة العربية العامة، وبالتالي مظهرًا أساسيًّا من مظاهرها).

بيد أن السؤال الأهم هو ما أشار إليه (عبد الجواد ياسين) في كتابه (السلطة في الإسلام، المركز الثقافي العربي، الطبعة 2، بيروت، 2000): (هل يمكن تبرئة العملية التدوينية في مجملها من تهمة “الانتقائية”؟ وبصيغة أخرى هل تمت عملية التدوين بواسطة “يد” محايدة مستقلة أو مفارقة للتيارات المختلفة المشار إليها. أم أن هذه “اليد” التي اضطلعت بمهمة التدوين، كانت في ذاتها تيارًا من هذه التيارات، ضالعًا في المعترك الشامل بينها على مستوى السياسة والفقه والفكر جميعًا؟). ورغم هذا فهو يحاول الإجابة، سلبيًّا، حينما يكتب: (إن هذا السؤال ليس سؤالًا استفهاميًّا بالمعنى الدقيق، فهو يحمل جوابه في صياغته وتركيبته. ولما كان الجواب سلبًا أي بالنفي للسؤال، فإن ذلك يضعنا مباشرة أمام الدور الكبير الذي لعبه “عصر التدوين” في النص وفي العقل الإسلامي).

لكن الغريب إن بعض الباحثين المعاصرين الذين سعوا إلى قراءة التاريخ العربي بمناهج جديدة يحاولون أن يبرروا القمع والإرهاب والمذابح التي قامت في تلك العصور وأن يعيدوا الاعتبار لمواقف وشخصيات قامت بها مبتعدين عن الحياد الفكري في قراءة الرواية التاريخية، ومحاولة تفكيكها (ولا أقول الوثيقة التاريخية لأنها لم توثق الحدث وإنما دونت الرواية الشفاهية التي لواقعة مر عليها عشرات السنين). ناهيك عن تعارض وجهات النظر بين الباحثين المعاصرين حول رواية بعينها. ويمكننا تلمس مثل هذا الموقف من معاوية بن أبي سفيان عند باحث مثل محمد عابد الجابري نفسه وباحث آخر هو هشام جعيط، حول طبيعة حكمه ودوره التاريخي.

ما يهمنا هنا هو التوقف عند بدايات الجدل الفكري حول مفهوم الحرية الإنسانية والإرادة والاختيار. وكل الإشارات التاريخية تقودنا إلى الفترة الأخيرة من الصراع بين الإمام علي بن أبي طالب ومعاوية حينما أطلق مفهوم القضاء والقدر أي (الجبرية) وهذا ما أعلنه مبررا حربه في (صفين)، وتطورت بعد أن استلم معاوية الخلافة بدون منازع، وتم اعتمادها كفلسفة حكم منذ زمن عبد الملك بن مروان. أي الفترة التي بدأ فيها وضع اللبنات الأولى لعلم الكلام.

وهذا ما يشير إليه (حسين مروة) في كتابه (النزعات المادية في الإسلام، المجلد الثاني) حينما يكتب: (ظروف الصراع الاجتماعي والسياسي التي نشأت في أواخر عهد الراشدين ثم تفاقمت في عصر الدولة الأموية، قد أنشأت ظروفًا جديدة لم يكن ممكنًا معها إلا أن ينفتح باب الجدل على مصراعيه حتى في شؤون العقائد، وكانت مشكلة القدر في طليعة هذه الشؤون التي تحرك الجدل فيها بصورة حتمية. ذلك لأن الظروف الاجتماعية والسياسية التي وضعت الحدود بين الطبقة الحاكمة والمنتفعين بها وبين الفئات التي أصابها ظلم الحكام بمختلف أنواعه، قد جعلت مبدأ الجبر موضع استغلال من الطبقة الحاكمة، إذ اتخذت منه حجة دينية على الناس لبقاء حكمها وديمومة سلطانها عليهم… ومن هنا بدأت فكرة الجبر تحتل مكانها في تاريخ الفكر العربي الإسلامي وبدأت من هنا أيضًا ترسم لنفسها بُعدًا “أيديولوجياً” كتعبير عن الفكر الطبقي للمؤسسة السياسية (الدولة)).

من كتاب “وهم الحرية”
منشورات بوهيما – الجزائر

Share.