مُقَدِّمة ديوان ((( إليكَ عَنّي ؟! ))) للشاعر رمزي عقراوي بقلم الروائي والمترجم الأستاذ – نزار أحمد البامَرني

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

مُقَدِّمة ديوان ((( إليكَ عَنّي ؟! ))) للشاعر رمزي عقراوي
بقلم الروائي والمترجم الأستاذ – نزار أحمد البامَرني
طلب مني صديقي العزيز الشاعر رمزي عقراوي أن يكون لي شرف التقديم لديوانه الشعري الموسوم بـ ( اليكَ عنّي ) ومع انني أكتب الشعر كهواية ولست محترفاً في نقد الشعروتقنياته الفنية، ولكنني مارست كتابة نقد الرواية وترجمة الشعر ومتمرس في كتابة الرواية والمقال السياسي، لذا حاولت أن ادلو بدلوي في تقييم هذا العمل ألأدبي والفني وبذلتُ جهدي المتواضع في تحقيق رغبة صديقي فأرجو أن أكون قد وفقت فيه.

في البداية لا يجد القارئ صعوبة في تصنيف منحى قصائد الشاعر من حيث تجلي أغراضه في خدمة هدفين:

أولهما : قصائده في مجملها تخدم قضية الشعب العراقي عموماً ، وشعبه الكوردي على وجه الخصوص، وقد ركز هدفه السياسي على هاتين القضيتين.
ثانيهما : ركز على أهداف إجتماعية وإنسانية في أكثر من قصيدة ، كتحرير المرأة ، وحماية المرأة من بطش التقاليد .لذا فهي في طابعها العام تتخذ منحاً سياسيا وإجتماعياً إنسانياً.
من خلال هذين الغرضين نجد ان الشاعر يحلق في أجواء شعرية مفعمة بصدق المشاعر ويقظة الوجدان ، ويرسم من خلالهما لنفسه منهجاً لا يحيد عنه، فهو منهج القصيدة السياسية وهو الوجه الطاغي تقريباً في كل قصائده .. هذه الحقيقة يمكن أن يتلمسها القارئ في مجمل قصائده.
الحقيقة الأخرى هي ان قصائده تمتاز في مجملها بالأتجاه الفكري التنويري في خدمة قضية تحرر المرأة ومساندتها الى جانب الدعوة الى تغيير الاتجاه العام في الفكر السياسي العراقي نحو التصالح والعودة الى الحوار في حل القضية الكوردية وكافة القضايا العراقية الأخرى عن طريق نقد العقل السياسي العراقي فهي أي (القصيدة) تساير الأجواء وتتفاعل معها ، وتناغي الألم وتناجي الذكريات وتفتح آفاقاً رحبة في إستخدام أدواة الشعر من حيث اللغة الرصينة والمفردات وإجادتها في توظيفها لأغراض قصيدته التي ذكرناها.
شاعرنا لا يخالف الأتجاه العام في قصائد الشعراء العراقيين لهذا الجيل الذين كتبوا عن فضائح الحكام وجورهم ووظفوا جُل قصائدهم في خدمة قضية شعبهم ولكن بأسلوب اليأس الذي لا يرى نوراً في آخر النفق، طالما الحكام قد تربعوا على سدة الحكم وتساندهم قوى دخيلة فان زحزحتهم عن كراسيهم هو من أصعب الأمور ان لم تكن مستحيلة.. لذا نرى شاعرنا لا يشذ في نظرته الى الحياة عن أقرانه، فهي في أغلبها نظرة تشوب مضمونها مسحة من الحزن والتشاؤم والأحباط السياسي..
أما بخصوص الأسلوب الأدبي نراه يرتقي أحياناً بالقصيدة الى مراتب الأبداع مستخدما كافة تقنياته الادبية و كل ما لديه من إبداع وألق في إخراج قصيدته فهو يستخدم كافة أدواته المؤثرة في خدمة تصويرالحدث وإبراز اللوحة الفنية في المشهد لعرضها على مسرح الواقع بعد تشريح كافة عناصرها ,,
يتجه الشاعر أحياناً الى استخدام الأسلوب النثري أو الخطابي لذا تنحدر القصيدة لتتخذ منحى أسلوب النثر أو المقال السياسي ،المهم لدى الشاعر هو التعبيرعن مأساة شعبه والذود عنه بشتى الوسائل مستخدماً كافة أدواة وألوان الأدب وزجها في خدمة أهداف قصيدته السياسية، ولكن بدراية وفهم المتمرس يعالج التنقل من هذا الأسلوب الأدبي الى الأخر بإيقاع شعري مبدع في الأبيات التي تليها َ ليجدد نَفَس وروح القصيدة الإبداعية بأناة وصبر..
كم هو صادق شاعرنا مع ذاته، لا يستسلم للمغريات كالآخرين الذين يريدون أن يشتهروا من أجل الشهرة ذاتها وبأساليب مبتذلة، من غير أن يقدموا خدمات جليلة لشعبهم ، تراهم يبيعون الكلمة بثمن بخس على موائد دسمة، على عكس ذلك الأتجاه يذكر الشاعر كم أن الكتابة من خلال مواقفه السياسية والوطنية المخلصة كلفته غضائض العيش وتجرع من أجلها الآلآم والأحزان وخص لها وقتاً ثميناً سَهَرَ فيها الليالي من أجل الدفاع عن فقراء شعبه والمشردين من أبنائه.
مع إطلالة هذه الباقة الجميلة من زهور الاقحوان الندية ( اليكَ عنّي ) فهي تلقي بألقها على مروج الروح فتخلع بريقها على دياجير الظلام فتنيرها وتنثرعبق أريجها في النفوس فتزهو وتعتق في بهجة الحرية المغناة وتضفي طابعها الحزين على تلك المساحات الخاوية والموحشة من صدى الصمت كأنها نواقيس الألم تدق على زمن ضاع فيه كل شيء وباتت النفوس لا تتجرع سوى أنين السكوت على صخب الإرتكاب والفعل الشنيع لمذبح الحرية وقتل الأنسان .. فهي تدق اسفينا في نعش الحكام الجائرين وتعري الأحزاب من ورقة التوت وتدوس على رؤوس المتخاذلين والمارقين فهي صرخة للضمائر الحية ولإيقاظ المشاعر الأنسانية ودعوتها للوقوف بحزم ضد الطغاة وفضح سريرتهم..!!
شاعرنا لم يكتب الشعر الا لكي يعالج قضية شعبه ويناغي ألمه ويبث نشيجه ليقتل الضجر ويهزم فلول الفاسدين آكلي لحوم البشر ونراه يجهر بمقاصده وينتقد الشعراء وأهل الكلمة ويضع نفسه في مقدمتهم فهو يتأسف لأنتشار الحزن والألم في وطنه فالعالم قد إسود حزناً والنهار قد أظلم من الويلات والفجائع أما الكوارث فأتخذت الصمت عليها حداداً ؟!

وتبلغ قمة المأساة عندما ينتقد الشاعر ذاته كإنسان قبل الآخرين فيقول:
طيلة أربعين عاماً، وأنا أستنجد وأستصرخ بالشعر والقلم الا انه لم يفلح في إنقاذ الشعب من الظلم ولا شاعراً تمكن من أن يصون الوطن من التمزق والعدوان عليه ، والظلم قد خيم في نخاع المأجورين وقساة القلوب والمتاجرين بالبشر، فبيعت نساؤنا في سوق النخاسة .. فالقصيدة والكلمة لا يمكن أن تحرر رقبة من جور الارهابيين ولا أن تشبع جائعاً أو تروي ظامئاً أو تشفي سقيماً فهنا ينتقد الشعر والشعراء لأن الخطب أكبر من أن تستطيع الكلمة خوض غمارها في حل الأزمات، وتحرير الأوطان ، ونشر العدالة ومعالجة الفقر وهو كشاعر يرى نفسه كأسلافه عاجزاً أمام عظم الخطب وجلل الامر!! وهنا يذكرني بقول الشاعر الكوردي الكبير أحمد خاني وهو في حالة مشابه عندما ييأس من الحكام والأمراء فيقول :
عار على الحكام والأمراء .. ما ذنب الشعراء والفقراء .. !!

فالشاعر يوظف بنية االتناص الشعري في مضمون قصائده لاغراض القصيدة السياسية والتي تتكون من مفردات حيوية قد إقتنصها من قاموس الحياة بتفاعله مع الأحداث سواء في وطنه الصغير كوردستان حيث مهد ميلاده ليتسع هذا المضمون الموشح بالسواد والتشاؤم ليكون جزءاً من ألم أكبر ليمتد الى العراق كله كإمتداد للوطن .. وإن كان يتأرجح في مفهوم المواطنة بين موطنه الأصلي كوردستان الكبرى ويتغنى بمآثرها ورموزها ويحث أبناءها على التحرر، ولكن سرعان ما يأخذ به الحنين الى الوطن العراقي الذي ترعرع في ربوعه ، هنا يتأرجح المشهد كرة أخرى ليصبح غامقاً عكراً، عندما يأخذه سراق الوطن على حين غرة، دون أن يدرك بأن الحكام والطغاة سيجعلونه على مفارق طرق فيطحن بين دفتي رحى وطن، البسه زيف المواطنة وهو يحترق في اتونه ظلماً وعدوانا ، وبين آخر ينشطرعنه فيلاقي الخطوب والويلات والأبادة فما عليه سوى أن يتخذ طريق التحرر لأنه يعتز بقدرات شعبه فأبناؤه أسود لم يرضخوا لإرادة دخيل. ولكن الشاعر كأنسان تنحاز عواطفه لتعبر العرقية في كثير من الأحيان فنجده يتألم للعراق ككل واضعاً اللوم على الحكام وأصحاب العمائم الفاسدين والمسؤولين عن هذا التمزق والانحدار والأستهتار بالعواطف وإنكار الآخرين وهضم حقوقهم..!!

نزار أحمد البامرني
23/ 8 / 2018

Share.