مع الشاعر محمد كردية ومعارضته الشعرية: لم أنتظرْ جميل داري

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

مع الشاعر محمد كردية ومعارضته الشعرية: لم أنتظرْ

وقفت بإعجاب عند قصيدة الشاعر محمود صالح التي كان قد قرأها لي قبل نشرها وقلت له نصك مفتوح لا ينتهي ، لأنه مناجاة الروح للروح والشاعر للوطن والإنسان ، ولأنه مكتوب بلغة شعرية عذبة ومتقدة ، وسوى ذلك من مكونات الجسد الشعري الذي تمده شعرية محمود صالح بروح عبقر وبنات الخيال اللواتي يتوالدن في الحقول تحت أشعة الشمس لا في الغرف المغلقة.
هنا يأتي شاعرنا الآخر محمد كردية ليقول ما لم يقله محمود صالح ، ويكون معه ثنائيا شعريا يذكرني بالدويتو الغنائي ، حيث يشترك مطربان في أداء أغنية واحدة ، كما فعل عبدالوهاب وفريد الأطرش وعبدالحليم حافظ وفيروز وغيرهم.
لقد استخدم شعراء عصر النهضة شعر المعارضات ، حيث يقوم شاعر بكتابة قصيدة لشاعر قديم ، على المنوال نفسه وزنا وموضوعا وقافية.
هنا شاعرنا محمد كردية تشبع بقصيدة شاعرنا الآخر محمود صالح، ونهلها كما ينهل الصادي ماء فراتا، فلم يستطع كبح جماح شياطين الشعر في روحه الشاعرة ، مع احتفاظه ببصمته الخاصة ، بصوته الخاص ، فهو ليس مجرد صدى باهت، بل هو صوت جديد يلتحم وينصهر بالصوت المحمودي ، فهما رافدان يصبان في نهر واحد هو نهر الشعر.
محمود استخدم تفعيلة :فاعلن من البحر المتدارك ، أما محمد فقد استخدم تفعيلة : متفاعلن من البحر الكامل ، بمعنى أن له إيقاعه الموسيقي المختلف والمؤتلف في الوقت نفسه ، كما أشجار الحديقة تختلف في ثمارها وتتفق في اخضرارها..
يركز كردية على الفعل المضارع الذي تحول إلى الماضي بفعل الأداة لم حين يقول:
لم أنتظر .. ويكرر هذه اللازمة طول القصيدة ، لكنه في النهاية يضيق ذرعا بيأسه العارض ليقول : وسأنتظر .. إذا حول الماضي والحاضر إلى المستقبل بوساطة حرب الاستقبال : السين الدالة على المستقبل القريب ، وهذه السين بمثابة الجمرة المتقدة تحت أكوام الرماد ، وكأن لسان حاله يقول : لا بد أن أحترق لأولد من جديد.
قصيدة محمد كردية تحتاج إلى دراسة مستفيضة ولا سيما حول لغته الحية وصوره المبتكرة كما : أعقاب الوعود ،رحم الضباب، دمع النخيل، زادي القمر المسجى ، ومن يدري فقد يأتي يوم وأتخلى عن كسلي فأقرأ كردية قراءة فنية وبلاغية ، لأني هنا أعده مدرسة شعرية حداثية لا تنفصم عراها ، فالحداثة عنده ليس نبتا غريبا يغرسه في أرض غريبة، بل هي امتلاك ناصية الأصالة والتراث والقبض على جذوة الحداثة ، فالحداثة امتداد وولادة من ولادة وليست عملية قيصرية قد تؤدي الى وليد مشوه أو ميت.
تحية إعزاز للشاعرين الصديقين محمود صالح ومحمد كردية ، فهما من مدرسة واحدة هي مدرسة الشعر التفعيلي الذي لا يخاصم التراث ولا يتطفل على الحداثة الدخيلة.
إنهما من بلد واحد هو الشعر …

هدِيّةٌ متواضعة إلى أخي وصديقي الحبيب الشاعر الأستاذ محمود صالح بعد أن كتب رائعتَهُ (لا تنتظرني طويلا)..
لكً يا صديقي ولقدسنا الحبيبة، ولكل القدِّيسات اللواتي خاطبتَهُنَّ في معزوفتك الرائعة أقول:

لَمْ أَنْتَظِرْ..
لَمْلَمْتُ مِنْ أَلَمِ الطَّريقِ مَؤُونَتِي..
جمَّْعتُ أَعْقَابَ الوُعُودِ..
زَرَعْتُها بَيْنَ الرُّكَامِ.. غَزَلْتُهَا حَبْلاً..
وفي رَحِمِ الضّبَابِ رَبَطْتُ أَحْلامَ اللِّقا..
***
لَمْ أَنْتَظِرْ..
قَـيَّدْتُ قَافِيَتِي وصِرْتُ بِلا فَمٍ
أَسْرَجْتُ مَتْنَ قَصِيدَتي.. وَرَحَلْتُ..
لم أَنْظُرْ إلى دَمْعِ النَّخِيلِ…
تَرَكْتُ طَوْقَ اليَاسَمِينِ مُعَلّقاً
في غُصْنِ زَيتُونِ الغِيابِ..
وَسِرْتُ دُونََ صَهِيلِ خَيْلِ الفَاتِحِينَ..
وَسَلَّتِي بالآسِ ملآى..
زادِيَ: القمَرُ الـمُسَجَّى..
وَجْهُ أُمِّي..
ظِلُّ سُورِ مَدينَتِي..
***
لم أنتظر.. قلتُ: اذهبي.. لا تَنْظُرِي..
سَتَسِيرُ خَلْفكِ ألفُ ألفِ قصيدةٍ
ويقودُ جَيْشَكِ «دُنكِشوتُ»
مُبارَكاً من كلِّ غِلْمانِ القياصِرِ
فافرحي.. بعدَ المخاضِ سَتُرزَقينَ خَريطَةً
للسَّيْرِ في وَسَطِ اليَبَابِ.. وبُوصِلةْ…
وَسَتَفطِمِينَ مَزَارِعَ الليمُونِ
عن ثدي الوعودِ..
وَتُوعَدِينَ بِخَيمةً للغائبين…
فأنشِدي…
شاخَتْ سُعَادُ…
وصَار حَقْلُ البُرتُقالِ قصيدَةً
في مُتْحفٍ..
لَنْ أَنْتَظِرْ..
***
قُلْتُ: اذْهَبِي… لا تطْلُبي…
ما همَّني إن لم أعُدْ..
وبِجَعْبَتِي لم يَبْقَ شالٌ.. بانتظار العاصفةْ..
ما همَّني سَبْعُونَ وَعْدَاً قَدْ مَضَيْنَ…
وَدَرْبُنَا حُبْلَى بأحلام المَطَرْ…
لا تَبْحَثِي عن شُرْفَتِي…
سَتَجِيءُ أَلْفُ صَبِيَّةٍ…
وَاعَدْتُهُنَّ على مَشَارِفِ الانْتِظارِ..
وَسَوْفً يَنْثُرنَ السَّنابِلَ
فَوْقَ كُثْبانِ القَبِيلَةِ… إنما..
لَنْ تَحْصُدِي إِلَّا سَرَابَ القافِلَةْ…
وَشَقَائِقُ النُّعْمَانِ… تملأُ عُرسَنَا
قُلْتُ: اخْلَعِي ثَوْبَ الزَّفَافِ
ودّثِّرِي نَعْشِي.. وقُومِي للصَّلاةِ…
تَوَجَّهِي لِلقِبْلَةِ الأُولَى..
هُنَاكَ سَتَعرُجِينَ نُبُوءةً..
وستَهطُلينَ كغيمةٍ…
وَسَأَنْتَظِرْ

Share.