الكاتِبُ السُّوري أحمد إسماعيل إسماعيل: أخشى الموت المجاني وقبري شاغر ينتظرني

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

حاورته: حورية عبيدة

– الكاتب المسرحي مُهدَّد بالانقراض وأخشى سقوطه في خندق المتحاربين في الوطن بعد تمزق الخريطة العربية

– كتابات نجيب سرور؛ وسعْدالله ونّوس؛ ومحمود دياب عن هزيمة يونيو من باب العَتب والتنفيس وليست نقداً حقيقياً

– مقولة: “الجمهور شريك المسرح وسَيده” باتت طُرفة تشبه الحديث عنه في السياسة بصفته مواطناً!

– الوصول للطفل إبداعياً ليس بالأمر الهين سيّما وأنَّا عققناه بالأمس؛ فكان منهم إرهابيو وسفهاء اليوم

حفروا له قبراً لحظة ولادته! فقد اعتادت العائلة توديع مواليدها، لكنه عاش وخابت التوقعات، ليبقي القبر شاغراً ينتظر صاحبه – الذي بالكاد بقِي على قَيد العقل- محاولاً ألا يُفلِتَ القلم مِن فرْط جنون المشهد في وطنه؛ يخشى الموت منذ الحادث المروع الذي تعرض له والده؛ والذبح والتقتيل والتنكيل الذي تتعرض له قوميته – على حد وصفه – ولأنه كابد استبداد السلطة فقد ولَّى وجهه شَطر المسرح؛ حيث سلاح الوعي والتنوير والتثوير؛ ويمَّم قلبَه صَوْبَ الطفل القادر على حل جميع مآسينا شريطة الإحسان إليه؛ فكتبَ له مسرحية “الطائر الحكيم” وكيف ثارت الطيور ذات صباح على “الوحش” الذي يتهددها كل يوم؛ فصنعتْ بأجنحتها ريحاً مدمرة؛ ليكتشفوا إنْ هو إلا فزّاعة صنعها “الثعلب” لإخافتهم، فكانت نبوءته بثورات الربيع؛ مُوقناً أن الاستبداد السبب الحقيقي لتمزق خريطتنا العربية.

“المشهد”تلتقي بالقاص والكاتب المسرحي السوري المقيم بألمانيا أحمد إسماعيل إسماعيل؛ فتلْمَس خشيته على المسرح من السقوط في براثن السلطات المستبدة؛ سيّما بعد تأثره الشديد بزلزال الثورات العربية، ورؤيته للكثيرين ممن كتبوا في الستينيات بأنهم قد خرجوا من رحم السُّلطة لذا لم يجرؤوا على نقد هزيمة يونيو، وولعه ببلده سوريا الغني بتنوعه الإثني والديني والطائفي واللغوي؛ وألمه لقوميته الكردية؛ لافتاً الانتباه لـ “أُديب” تلك التراجيديا الفردية التي غيَّرت مسارالمسرح؛ فكيف بتراجيديا شعب كامل؟!

كَتب أكثر من عشرين مسرحية وقصة ودراسة نقدية ومقالاتٍ عدة، عُرضت نصوصه على امتداد العالم العربي؛ لكن البعض يسرقها لخشبة مسرحه دون الإشارة لاسم صاحبها! شارك في العديد من المهرجانات والمسابقات الفنية والثقافية العربية؛ ونال جوائزها الأولى.

*كتبتَ القصة والنقد وللطفل؛ لكنك وجهتَ وجهك شَطر المسرح؛ فما الذي استهواك؟ وكيف تختلف الكتابة له عن بقية فنون الإبداع؟

– المسرح عشقي الأول، لكن خجلي حال دون تحقيق حلم الصبا في اعتلاء خشبته، فيمَّتُ وجهي صوْب الكتابة له وعنه لقدرته الفائقة على الوصول إلى الناس وتنويرهم وتثويرهم، لأكتشف بعد زمنٍ أنَّا- كمسرحيين – قد أثقلنا رهافة كاهله بأعباءٍ ناء بحملها، وأقحمناه في معارك سياسية كبيرة رغم حداثة ولادته في ثقافتنا، فجاءت النتيجة مُخيبة للجميع، فالمسرح فن حضاري وليس سلاحاً حربياً، وسِحره يكمن في جمالياته وتنوير العقول والارتقاء بالذائقة.

بدايةً كانت الكتابة للمسرح فناً أدبياً، تُصاغ في تقنيات تتضمن إمكانية التجسيد؛ وأولها الحوار بدل السرد في الرواية والقصة، ثم أخذت بوصلة المسرح تدفع الكاتب نحو الفنية والدرامية في النص، فتخلَّص من الكلمة المترهلة والمنمقة لصالح الفعل، واعتُبرت الكلمة: “وشْيٌ على ثوب الحركة والفعل” (ميرخولد)، بمعنى أنَّا ببساطة نعثر في الشِّعر والقصة والرواية على صوت المبدع وفِكره، بينما يُمنع على الكاتب المسرحي التجوال في نَصِّه حذر تعرض عمارته الفنية والفكرية للانهيار، ولا يتم خرق هذا القانون سوى ممن يتقن بناء عمارته الفنية بشكل هندسي وفكري مدهش.. ومما يؤسف له أن الكاتب المسرحي في بلادنا مهدد بالانقراض، وذلك بعد أن تم طرده من المسرح بتهمة استخدامه المفرط للكلمة بناء على الفهم المغلوط لدعوات “التجريب” و”موت المؤلف” التي أُطلقت في الغرب، ولا غرابة في ذلك، فقد اعتدنا على التفسير الساذج والمغلوط لكل مفهوم مستورد معفى من ضريبة التمعن وإعمال التفكيركالديمقراطية والحرية والإشتراكية.

*ما تقييمك للمسرح العربي حالياً مقارنةً بعقودٍ خَلت؟

– لستُ مطلعاً على حاله اليوم؛ خاصة بعد الزلزال الذي ضرب وطني وغيره من البلدان، ومن ثَم مغادرتي الوطن خشية الموت المجاني في هذه الحرب المجنونة، ولا غرابة في أن يكون المسرح بالذات أول من استجاب لارتدادت هذا الزلزال، لأنه الفن الأكثر حساسية، لذا فثمة خشية كبيرة من سقوط المسرح في خندق المتحاربين، فقد سبق وعصفت بالمجتمعات العربية كوارث هزت كيانه – هزيمة حزيران نموذجاً- فتنطَّع لها كتاب ومبدعون كُثر، واستطاعت قِلة منهم أن تشيرلأُس الهزيمة بشكل أقل إبهاماً وتورية من الكثرة التي كتبت عنها أمثال محمود دياب؛ وسعدالله ونوس؛ ونجيب سرور وآخرون ممن تحول نقدهم للسلطة لما يشبه العَتب والتنفيس؛ لأنه وببساطة شديدة تم في مؤسسات السلطة التي دجَّنت المسرح، وفصَلتْ بين المبدع وشريكه الجمهور بوسائل شتى، ليبقى في المسرح مجرد متلقٍ سلبي، ولتصبح مقولة: الجمهور شريك المسرح وسَيده” طُرفة شبيهة بطُرفة الحديث عنه في السياسة بصفته مواطناً!

*ما سر اهتمامك بالطفل؟ وهل استطعنا التعبير بصدق عن واقعه وطموحاته وأحزانه؟

-هو سرّ خلاصنا من العنف والتخلف والجهل والاستبداد، ومُنقذنا في المستقبل، ومن العجب أنَّا نبحث عن الخلاص في كل الأمكنة؛ ونتجاهل الطفل الذي بيننا، فمن يتأمل الخراب العميم في مدننا وساحاتنا يدرك حجم فشلنا في تربيته وإعداده، فإرهابيو اليوم والسفهاء منَّا هم مَن عققناهم في صغرهم فعقونا في كبرنا، فاجتهدتُ وكتبتُ مذ عشرين عاماً، وقبلها كنتُ معلماً في مدارس مدينتي “قامشلي” مدة ربع قرن، ولم أَحِدْ يوماً عن التعامل معه شريكاً ومتلقياً ذكياً، فاحترمت وعيه، وتعاملت معه كنِدٍ لا كتلميذ، وعموماً فالوصول إلى الطفل إبداعياً ليس بالأمر الهين، ويؤسفني القول أن أغلب كتاباتنا لم تكن لطفلنا الماثل أمامنا؛ بل لطفل آخر في دواخلنا؛ هو المأمول أو المقموع، فكررنا- إبداعياً- السياسة التربوية المدرسية المتسلطة، ومواعظ رجال الدين، والتربية الأسرية المتخلفة،متجاهلين أن أقصر طرق الخلاص وأكثرها دواماً منح الطفل ما يستحقه من اهتمام وتربية وثقافة واحترام.

Share.